«تسقط بس» أيقونة الثورة السودانية المنشودة التي أصبحت الهتاف المحبب للمحتجين من الشباب السوداني، يواجه السودان احتجاجات لم ير لها مثيل من قبل إلا في ثورة 21 أكتوبر المجيدة، التي أنهت عهد الرئيس إبراهيم عبود وهو حكم عسكري صرف شبيه بحكم البشير الذي يواجه إرهاصات ثورة تعد شبيهة بثورة 21 أكتوبر المجيدة، التي ضرب بها الشعب السوداني في ذلك الوقت أروع مثال في الوعي السياسي الاحتجاجي ومطالبته بالتغيير ودعوته للديمقراطية وسيادة حكم القانون، هذه الثورة المجيدة أصبحت أيقونة للشباب السوداني الذي يتغنى بها في كل محفل سياسي داعيًا إلى ثورة على غرار ثورة 21 أكتوبر المجيدة، وفي هذا الحراك يتخذون منها محفزًا ينطلقون منه إلى تحقيق الثورة.

ومؤشرات الأحداث تدل على أن هذه الاحتجاجات تركت شرخًا كبيرًا بين الحكومة أو النظام الحاكم وبين الشعب الذي ضاق صدره ونفذ صبره من الوعود الكاذبة، التي ما برح الحزب الحاكم على إطلاقها متى ما تعرض إلى أزمة داعيًا الشعب إلى الصبر واعدًا له بالإصلاح الاقتصادي والسياسي في أقرب وقت ممكن.

هذه الوعود تركت أزمة عدم ثقة بين الحكومة والشعب من أجل ذلك شهد الشارع السوداني حراكًا عفويًا في بادئ الأمر تطور إلى تبني بعض الجهات هذا الحراك، وأصبح له تنظيم تقوده القوى السياسية المعارضة مطلقة عليه «تجمع المهنيين السودانيين» باعتباره جسمًا يستوعب ويستقطب الشباب الذي يقود الاحتجاجات الآن.

القوى السياسية المعارضة جعلت هذا الجسم بمثابة ظل لها تقود به الشباب الذي أصبح لا يثق كثيرًا في الأحزاب السياسية المعارضة التي يضعها في خانة النظام الحاكم من حيث أولوية التغيير.

الأجسام الشبابية التي تنتجها الثورة المنشودة تعد من الأهمية بمكان، لأنها ترفد البيئة السياسية السودانية بتنظيمات جديدة تساعد على تجديد الحياة السياسية وتعطيها فعل المدافعة والحراك، وهذا يصب في مصلحة السودان الذي يعد من الدول المتأخرة من حيث الفكر السياسي، وأن الخطاب السياسي أصبح خطابًا تاريخيًا والذي يتمثل في الأحزاب التقليدية العاجزة عن الخروج من جلباب الخطاب السياسي الذي اشتهرت به منذ خمسينيات القرن الماضي، خطاب سلطوي يصدر من أعلى هرم الحزب ولا يناقش ويستدعي التسليم خطاب يفتقد إلى الديمقراطية التي تدعو إليها الأحزاب والقوى السياسية في حد ذاتها، من أجل ذلك شهدت هذه الأحزاب انقسامًا في صفوفها واستقال العديد من الشباب لوجود تضيق وعدم وجود الرأي والرأي الآخر، وهذه من أسباب التي تستدعي قيام تنظيمات شبابية جديدة فيها براح للرأي والرأي الآخر.

لا شك أن الشباب وعى الدرس السياسي الذي قرأه جيدًا في كتب التاريخ، وهو الآن يعي تمامًا الخطوة المقبلة من حيث إنجاح وإنجاز ثورة سلمية، تأتي بنظام حكم ديمقراطي من جيل التقدميين من الساسة الذين يمثلون تطلعات الشباب لا يهم من أي مكان من السودان يأتون ولا من أي تنظيم ولكن المهم أن تكون نظرتهم تجديدية في إدارة حكم البلاد، ولا شك أن الشباب يريد إسقاط التنظيمات والأحزاب السياسية، وقيام تنظيمات جديدة تحرك دولاب الحياة السياسية بعد الثورة التي ستكون ثورة ضد النظام السياسي التاريخي الذي كان يتأرجح من فترة حكم ديمقراطي قصيرة إلى فترة حكم عسكري طويلة.

«تسقط بس» خطاب في ظاهره إقصائي يرفض أي تسويات مع النظام الحاكم مما يشكل عقبة في طريق التغيير، النظام الحاكم متمسك بطرحه الإصلاحي والشباب متمسكون برؤيتهم في إسقاط النظام مما يؤدي إلى ظهور بوادر دكتاتورية منذ بداية الثورة المنشودة وهذا لا يخدم مصلحة الجميع.

من الواجب في هذا الوقت أن يحكم العقل والنظر للأمور بموازين الضياع في غياهب الثورة المخربة والاتجاه إلى السلمية والحوار الجاد والخروج بحل يرضي جميع الأطراف ينتج من هذا الحوار إنشاء ائتلاف يشكل حكومة انتقالية ائتلافية برئاسة عمر البشير مدتها عام حتى قيام انتخابات2020، وهذا يعد خيارًا يقود إلى قطع الطريق على أي حراك يقود إلى الخراب و إراقة الدماء وحفظ الأمن وعدم تشتت الدولة، والمثال أمام الجميع من الدول التي هبت عليها موجة الربيع العربي لم يتغير في سياستها سوى قيام حكومات لم تلب أشواق وتطلعات الشعوب في شيء.

وهذه الفرصة من قيام الفترة الانتقالية بمثابة فرصة لجميع القوى السياسية والشبابية أن ترتب صفوفها لخوض غمار الانتخابات الرئاسية التي ستأتي بنظام ديمقراطي يرضاه الجميع، وأيضًا قيام تنظيمات وتجمعات سياسية شبابية جديدة تشكل مرحلة جديدة من التاريخ السوداني، هذه المرحلة الجديدة التي تضع بناء قويًا في أساس السياسية السودانية وتقوية الحياة الاجتماعية ووضع تشريعات تتناسب مع الوضع السياسي والاجتماعي الراهن وهكذا تُبنى الدول وتصنع السياسات والعلاقات الدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد