ظل الإعلام الخارجي طوال السنوات الماضية ينفذ أجندته من دون أي حياء أو خجل، فاستباح الفضاء السوداني، ولم يترك بابًا من أبواب الفتنة بين الشعب وقواته المسلحة، إلا وطرقه، خدمة للعروبة والإسلام، التي لا تمر في النهاية إلا عبر الدوس على رقاب الشعب السوداني، وسرقة خيراته، من أجل رفاهية شعوبه.

وهكذا اجتمعت الأضداد جميعها، وتكالبت على هذا الشعب الصابر، الذي عليه أن يفهم حقيقة واحدة، بحسب هذا الإعلام، وهي أنهم مجموعة من «العبيد»، يجب أن يأتمروا بأمر هؤلاء الحكام.

سؤال ظل يتردد في أذهان العديد من السودانيين خلال الأيام القليلة الماضية، عن قضية فلسطين والتطبيع وأحاديث من هذا القبيل، وكل يسائل نفسه، من الذي يمكن أن تؤول إليه مجريات الأمور والنقطة التي وصل إليها السودان؟ لتجعله في مفترق طرق وأمامه طريقان لا ثالث لهما. ولعل السؤال الأكثر أثرًا في النفوس ويطرح نفسه بحياء هو: هل يحق للشعب السوداني أن يطالب بطرح موضوع التطبيع للاستفتاء عليه علنًا؟

الأمر ليس بتلك البساطة، حتى نتخيل نحن الذين رمونا بالسذاجة، أن إسرائيل سوف تفرش لنا طريقنا بالورود والياسمين، وإنما كان يتعين عليهم هم الأذكياء، أن يجيبوا عن سؤال واحد، وهو لماذا نقاطع إسرائيل ابتداءً؟ هل لأن صدام حسين هدد بضرب إسرائيل بالكيماوي المزدوج، ثم وجهه تجاه شعبه؟ أم لأن جمال عبد الناصر وعد بأن يرمي إسرائيل في البحر، فرمى المصريين في السجون ومراكز التعذيب؟

ولأن أكثر الرافضين لزيارة البرهان إلى عنتبي هم الإخوان المسلمون، فلسنا بحاجة إلى الحديث عن الجريمة التي ارتكبوها أمام القيادة العامة، وهي جريمة لا يمكن أن تمر دون عقاب، في الأرض والسماء، ولكننا واثقون من علو وسمو أخلاق أفراد قواتنا المسلحة، وواثقون كذلك من أن هذا الشعب العظيم، لن يسمح بخلق فجوة بينه وبين أبنائه الذين ظلوا يحملون الأمانة رغم كيد الكائدين.

لكننا نطالب بحق دستوري، بأن يدعى الشعب السوداني للاستفتاء على مبادرة البرهان، لإقامة علاقات طبيعية مع دولة هي عضو في الأمم المتحدة، لم تحتل أراضينا، ولم تقتل شعبنا أو تسرق خيراته، فهل في ذلك ما يغضب أحدًا؟ بشرط، إذا لم يوافق أكثر من 70% على المبادرة، تعد «لا» هي الأغلبية.

كنا نتمنى فعلًا، أن يعالج «مبادرة البرهان» رجال دولة، يدركون دقة المرحلة التي تجتازها البلاد، ويكفوا عن التصريحات الباهتة التي أطلقوها، للنيل من شخصه، والتفاخر أمام الإعلام الخارجي وقادة حماس وصائب عريقات بأنهم «عرب وأولاد عرب»، بينما أن الحقيقة خلاف ذلك تمامًا.

بعض الناس ممن يحملون الجنسيات العربية والذين عشنا معهم في الخليج، نعرف جيدًا كمية الحقد ومشاعر الكراهية التي يحملونها تجاهنا، لا لسبب سوى أن أهل الخليج يحبوننا، ويحترموننا، ويفضلوننا عليهم. وقد كتب من قبل عباس الطرابيلي إبان الغزو العراقي للكويت، وهو يقول لأهل الخليج: «لماذا تحبون السودانيين وتدللونهم، وتكرهون هؤلاء؟ بينما كانت تلك هي مواقفهم وكانت هذه هي مواقفنا»، أما الإساءات التي يوجهونها إلينا بسبب سواد بشرتنا، فتلك مبذولة في جميع مواقع التواصل الاجتماعي ومن على قنواتهم التلفزيونية، وعلى من أراد أن يراجعها في مواضعها.

أخيرًا وردًّا على تصريحات صائب عريقات، التاريخ يقول إنه في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، قام رئيس الوزراء الاسرائيلي بزيارة سلطنة عمان، والتقى السلطان قابوس، رحمه الله عليه. وقتها لم يفتح الله على كبير مفاوضي السلطة الفلسطينية بكلمة واحدة، ولم يصف اللقاء بأنه طعنة في قلب أو صدر الشعب الفلسطيني، أما اليوم لم يلتق رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس الوزراء الإسرائيلي في القصر الجمهوري بالخرطوم، إنما خارج البلاد بعنتيبي، هنا فقط تتلبسه الحالة (العنصرية)، وبعد ساعات قليلة يطل على الملأ ويصف اللقاء بأنه طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني، ولكم أن تتعجبوا.

يود عريقات أن يقول إن «العبيد» السودانيين كيف لهم إدارة شأنهم الخاص، دعك من شؤونه الدولية، ولا يدري أن ما فعله السودان حق سيادي ومشروع، وهو حر في إدارة علاقاته الدولية.

أخيرًا وبعيدًا عن آرائنا ومواقفنا تجاه قضية القدس والمقدسات الإسلامية، وتجاه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، نود أن نقول لن نسمح بكرامتنا وعزتنا أن تتلقى دروسًا في الوطنية، والفقه والدين، بدوافع عنصرية يحاربها الدين نفسه والوجدان السليم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد