ظل السودان يدور منذ الاستقلال في حلقة مفرغة متكررة: (ثورة ثم حكم مدني صوري ثم انقلاب)، وتختلف مبررات الانقلاب في كل مرة وتبقى النتيجة واحدة وهي استيلاء العسكر على السلطة، مما يجعل الحديث عن فشل المدنيين في الفترة السابقة أو محاولة تحليل أسباب الانقلاب الأخير أمرًا سطحيًّا وساذجًا ومضيعةً للوقت. فالخلل الرئيس في واقع السودان هو أن أطماع العسكر في حكم البلاد لم تجد من يلجمها؛ فالأحزاب السودانية ضعيفة ومتناحرة، وأعطت وما زالت تعطي بضعفها هذا وتناحرها فرصًا متوالية يستغلها العسكر – باختلاف أسمائهم عبر تاريخ السودان – في كل مرة للحفاظ على السلطة.

إن من أغرب ما يثير السخرية مؤخرًا حديث البعض عن أن الانقلاب الأخير هو تمهيد لعودة (الكيزان) وهذا الحديث قد لا يعدو كونه طعنًا في (ظل الفيل).. ومن غير المستبعد أن يستعين الانقلابيون ببعض المنتمين لنظام البشير البائد في تحريك دفة السفينة وإدارة الأمور في الفترة المقبلة، ولكن بعد أن يشترطوا عليهم بالطبع الولاء والطاعة العمياء للعسكر كضامنٍ لاستمرارهم في مناصبهم، وقد يضحي بهم في أقرب فرصة، إن كان في ذلك مصلحة للانقلابيين.. وهذا السيناريو تم تطبيقه في دول ليست بعيدة عن السودان، وفي وقتٍ ليس ببعيد عن وقتنا الحالي.

تاريخ السودان يخبرنا أن العسكر منذ الاستقلال انقلبوا على الكل، إسلاميين وشيوعيين وحزب أمة وبعثيين واتحاديين، والأمر الواضح الذي لا يحتاج عبقريًّا لملاحظته أنه لو جاء ملائكة من السماء ليحكموا السودان فسينقلب عليهم العسكر ما داموا لا يرتدون (الكاكي)، أما العجيب أن السياسيين السودانيين لا يتعلمون الدرس ويواصلون ممارساتهم البلهاء وسقوطهم في الحفرة نفسها في كل مرة معتقدين أنهم يستخدمون العسكر للوصول إلى السلطة بينما العكس هو ما يحدث في الحقيقة، فمع كل انقلاب نرى سياسيين يساندون العسكر ويرتضون بلعب دور البيادق التي تتم إزاحتها فيما بعد، بعد أن تؤدي دورها في إنجاح الانقلاب وتثبيت ركائزه.

والناظر في تجارب الدول الناجحة في المنطقة لا يجد صعوبة في إدراك أنه لا حل إطلاقًا للسودان ولأزماته المتلاحقة سوى عبر الخروج من هذه الدائرة الشيطانية وإنهاء أطماع العسكر في الحكم إلى الأبد، ولن يتأتى ذلك طبعًا إلا بتناسي الجميع لمرارات الماضي وتوقفهم عن الارتماء في أحضان العسكر، وبتوافق جميع المدنيين في السودان بلا استثناء خلف مبادئ واضحة أهمها وأولها الرفض القاطع لجميع أشكال الحكم العسكري والانقلابات بغض النظر عمن تم الانقلاب عليهم، ولنا في النموذج التركي خير مثال.

عمليًّا يبرز الآن حل وحيد ربما قد يتيح للسودان المنهك في كل شيء الخروج من هذه الدائرة، إذ يبرز رئيس الوزراء عبد الله حمدوك كشخصية صاحبة إجماع كبير حاليًا في الساحة السودانية، وقد يكون الحل بالتوافق عليه وتفويضه بإدارة فترة انتقالية يسبقها ضمان التنازل الكامل من الجيش عن المشاركة في الحياة السياسية والتعهد بحل مشكلة شركات الجيش واقتصاده الموازي بالإضافة للوصول إلى تسوية فيما يتعلق بالاتهامات بارتكاب جرائم مختلفة تشمل فض اعتصام القيادة العامة في الثلاثين من يونيو عام 2019. ولربما يكون من المفيد أن يحاول حمدوك النأي بالأحزاب عن الفترة الانتقالية والاعتماد قدر الإمكان على مستقلين في إدارته، فيما تكون الأولوية التي يتركز عليها جهد الجميع هي صياغة دستور دائم يتوافق عليه جميع السودانيين ويتعهدون بحمايته، ويضمن ابتعاد العسكر تمامًا عن السياسة وعدم قبول عودتهم مرة أخرى لإدارة البلاد مهما كانت المبررات. هذا الأمر إن حدث، وإن سادت هذه المبادئ وانتهت آمال العسكر في الحكم إلى الأبد يمكن بعدها للأحزاب أن تعود عبر الانتخابات إلى صراعاتها الساذجة التي في معظمها لا تعني غالبية الشعب في شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد