مدخل: لا شك أن المتابع للعلاقات السودانية المصرية يلحظ حالة الفتور، والإعياء، وغياب الثقة واضحًا، على الرغم من الحديث الرسمي حول عمق العلاقات واستراتيجيتها إلا أن التعامل مع الملفات يبدو تكتيكيًّا وهذا قد بدا واضحًا من خلال مواقف الطرفين!

ويرى خبراء أن الطرف المصري هو الأكثر تضررًا في حالة نشوب أي توتر بين الجانبين؛ بسبب فتور العلاقات، ومواقف الطرفين من القضايا المصيرية «حلايب، سد النهضة»، وخاصة أن في الفترة الأخيرة أجبرت مواقف الجانب المصري الحكومة السودانية على التخندق حول مصالحها والاحتفاظ بعصا موسى تلوح به كلما تفرعنت الحكومة المصرية، رغم أن الإعلام السوداني يصور يد الحكومة بيضاء من غير سوء.

فالحكومة السودانية بدت مستعدة وجاهزة لكل السيناريوهات الممكنة وغير الممكنة، وهي رصدت كل ما فعلته مصر ومخابراتها وإعلامها وجواسيسها، فهي بانتظار الإشارة لتلقي بعصاها فتلقف الأخضر واليابس وتقضي على مياه النيل، وتضرب فرعون مصر على قفاه.

هذه المواقف لا تحتاج إلى محلل سياسي أو خبير استراتيجي فبدا واضحًا أن الطرف المصري متخبط بلا رؤية كما الذي «يقفز في الظلام»، تصعيده الإعلامي في قضية حلايب، ومحاولة تمصير شعب حلايب، وتردد مواقفه في سد النهضة، والتصعيد الإعلامي عبر القنوات المصرية، ومناصبة العداء للسودان حكومة وشعبًا، والمحاولات الخجولة للانتقاص من السودان وشعبه، يؤكد أن الطرف المصري حائر بلا دليل، فهذه المواقف هي التي أنتجت هذا التحول السوداني .

في السابق كانت الحكومة السودانية تتعامل مع الموقف المصري بحكمة وضبط النفس، والحفاظ على جوار آمن والاحتكام للقانون والتحكيم في قضية حلايب، والحوار في قضية سد النهضة بما يراعي مصلحة الدول الثلاث، إلا أن الجانب المصري يريد موقفًا غير ذلك من السودان، ومصر تعتبر السودان تابعًا لها، وهذا ما لم تجده في ظل هذه الحكومة التي رفضت حتى الارتهان للقرارات الدولية، واستعصت على أمريكا وحلفائها، وما حدث في السابق بحسن نية، وطيبة الشعب السوداني، وإغراق أهالي حلفا من أجل قيام السد العالي، واعتبار المصالح المصرية هي مصالح سودانية، وغيرها من عبارات الإخوة للأسف قوبلت من الجانب المصري بالتعالي والتذاكي واستغفال «للشعب المعلم»!

برغم هذه المواقف السودانية المشرفة تجاه مصر، والتي تعبر عن صدق الإخوة، وحسن الجوار، والحفاظ على هذه العلاقة ذات البعد الاستراتيجي بين الشعبين، إلا أن الموقف الآخر من شمال الوادي غير مشرف، ولا يعبر عن إخوة، ولا يدعو إلى جوار آمن، ويمكن الرجوع إلى المواقف السالبة من الإعلام المصري تجاه السودان للتأكد من ذلك.

فالتصعيد ليس من مصلحة الشعبين ودخول المخابرات المصرية في هذه الحرب الإعلامية، يضعف فرص ازدهار هذه العلاقة.

وأخيرًا وليس آخرًا، الإعلام المصري يسدد طعنة للعلاقة بين الشعبين بخنجر مسموم فيرديه قتيلًا.

في الوقت الذي يتجول فيه أفراد وبعثة السفارة الأمريكية في شوارع الخرطوم، وفي بيوتات الشعب السوداني في المدن والقرى يتناولون الإفطار، هناك على القنوات المصرية تبث مسلسل تدور أحداثه حول تدريب الإرهابين وتصدير الإرهاب من داخل الأراضي السودانية.

سؤال حائر: بالله في أي دولة يتجول أفراد البعثات الدبلوماسية بحرية مطلقة بدون حراسة ومركبات مصفحة؟

لا نحتاج لإجابة؛ لأننا أهل الشهامة لا نعتدي إلا على عدو، ونحفظ حقوق الضيف، ونراعي حرمة الجيران، ولا نتآمر. ولكن ببساطة، القمة الثنائية الأخيرة بين وزيري خارجية البلدين ذهبت أدراج الرياح، ومسلسل «أبو عمر المصري» يعد بمثابة المسمار الأخير في نعش العلاقات ببن البلدين.

ما لم يتدخل الحكماء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، الشعب السوداني لا يقبل بهذا الاستفزاز وهذا الاتهام السافر من الإعلام المصري، المعروف النوايا ومعروف الأجندة.

أخيرًا: بدلًا من تصوير السودان كدولة راعية للإرهاب كان يمكن للإعلام المصري أن يسلط الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين.

ختامًا: يا قدس قادمون، لن تلهينا عنك المصائب والمحن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد