حل الرئيس «عمر البشير»، حكومة الوفاق الوطني قبل عدة أيام، قائلًا إن ذلك يأتي في إطار المعالجات للأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وتشكيل حكومة فاعلة تستجيب لتطلعات الشعب السوداني، في حياة كريمة وإعادة الأمل إليه، لا أدري عن أي أمل يتحدث السيد «البشير»؟! ومن المتوقع أن الطريق إلى تلك الانتخابات ليس سهلًا هذه المرة، ولم يكن الرئيس «البشير» غافلًا عنه، في ظل الصراعات المتصدعة داخل حزبه؛ لذلك بدأ مبكرًا في إعادة ترتيب وتقريب حاشيته، دون التطرق للمؤسسية والحزبية التي ظل ينادي بها، ويتقوى بها في كل حجة ورأي.

وأن يحكم قبضته على مقاليد السلطة من جهة أخرى، غير تلميع صورته أمام الشعب والمجتمع الخارجي، ولكن في الحقيقة اعتاد المواطن المغلوب على أمره لمثل هذه السيناريوهات؛ من تبادل الكراسي، وترضية الأحزاب السياسية، دون النظر لجذور المعضلة الحقيقية، وكيفية خروج البلاد من هذا الانهيار، والتغلغل العميق في بئر الفساد، الفساد الذي أزكم الأنوف؛ وأصبح يجري في الشوارع مثل مياه الأمطار في العاصمة الخرطوم.

إصرار النظام على تعديل الدستور، وترشيح الرئيس «البشير» في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمر بيها البلاد، ما هي إلا ضعف، وقلة حيلة من الحزب الحاكم؛ نتيجة تفككه من الداخل، واختلاف الرأي الذي أفسد ود القضية «الحركة الإسلامية».

لم يكن ذاك النظام هشًا في يوم أكثر مما هو عليه الآن، ما غُيِّب علينا شعارات التخويف والترهيب التي يمارسها أفراده مثل «لحس الكوع، والزرعنا غير الله يجي يقلعنا… إلخ» واستبدالها بقول لين على شاكلة، إعادة الأمل للشعب، وتحية للشعب الصابر، ليس هناك طريقة أخرى أمامه غير استلطاف الشعب، وشغله بهذه المناورات السياسية غير الفعالة؛ مضيعة للوقت، وتشتيت للأفكار إن وجدت من بعض القيادات المنشقة من حزب المؤتمر الوطني، والحركة الإسلامية الرافضة لتعديل الدستور.

في أبريل (نيسان) 2010م وبعد الانتخابات أعلن مسئولون في النظام نفسه، أن الحكومة مستعدة لتعديل مؤسساتها المنتخبة في حال توصل اتفاق سياسي مع المعارضة، وتكوين حكومة انتقالية جديدة، هذه الانتخابات لم تكن سوى استنزاف للوقت والمال؛ من أجل تقنيين وضعها بتكلفة 6 مليار جنيه، كان أولى بها مؤسسات الخدمة المدنية المنهارة.

اختلف الزمان وتدهور الاقتصاد أكثر وأكثر، حتى وصلت مرحلة المعالجة بالصدمة خلال 400 يوم، كما ذكر رئيس الوزراء الجديد «معتز موسى»، ولكن ربما نعايش نفس السيناريو من انتخابات 2010 أي بعد 10 سنوات، أم هل يعي الإنقاذ الدرس؟ لا أظن ذلك، أي حديث يستثني أُس المعضلة «البشير» لا جدوى منه، وظهر جليًّا من خلال تشكيل الحكومة السابقة بقيادة رئيس الوزراء «بكري حسن صالح»، والآن حكومة «معتز موسى» فإن حكومة الإنقاذ تفتقد العقل المفكر والمخطط؛ مما يعني أنها «مغطاة بالأيام فقط» وتسير بدون أدنى دراسات وخطط استراتيجية محددة الزمان؛ ليشعر المواطن بها على أرض الواقع.

غير برنامج الـ400 يوم «صدمة الاقتصاد» التي تحدث عنه رئيس الحكومة الجديدة، هناك كتاب صدر عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية «عقيدة الصدمة» لمؤلفه «نعومي كلاين» يشرح فيه ما جرى في البلاد التي تعرضت للعلاج بعقيدة الصدمة؛ من أجل تمرير سياسات سياسية واجتماعية يرفضها السكان رفضًا قاطعًا، فهي سياسات ضريبية وتعسفية يدفعها المواطن للحكومة، وفي الحقيقية الإنقاذ طبقت شيئًا من هذا النظام أكثر من مرة، بداية من عام 2013 عندما تم رفع الدعم عن المحروقات، ربما تذوقت حلاوة الاسم فقط؛ لعدم وجود عناوين بارزة للمرحلة المقبلة، إن التعبير الأدق الذي يصف هذه المسميات، خواء فكري وعدم رؤية ولو من فرط الصدمة.

تأجيج الصراع ما بين مراكز القوى داخل النطام الحاكم؛ يبشر بمزيد من الانتكاسات الاقتصادية والسياسية، وانعكاسها على المواطن قد يبدو سريعًا. تطبيق أي من السياسات غير المدروسة؛ ربما يصدم الحكومة أولًا قبل أن تستنزف المواطن أكثر مما هو مستنزفًا، ومقهورًا.

الحكومة تريد نتائج مؤقتة وسريعة تتظاهر بها أمام المنتقدين والمشككين في قدرتها على الاستمرار في الحكم، من غير أي خطط ثابتة كما أسلفت مسبقًا، مثل ما حدث مع البنوك حال تحجيم السيولة؛ لضبط سعر صرف الدولار، مما خلق أزمة في المعاملات المصرفية، وفقدان الثقة بين العملاء والبنوك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك