كان قد استخدم مصطلح «التخادم الإستراتيجي» في العديد من المرات لتفسير طبيعة العلاقات الإيرانية – الإسرائيلية الأمريكية، والتي دائمًا ما اتسمت بالمتعارضة والمتصادمة في أحيان والمتهادنة في بعضها، ولكن بناء على معطيات الأوضاع ومؤشرات ميزان القوى في الإقليم، فضلًا عن تعاظم نفوذ نظام الملالي في فضاء الشرق الأوسط وأفريقيا، توصل بعض المحللين والمهتمين إلى قناعة مفادها أن العلاقات الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية ليست كما تتراى للمتابع، بل هي علاقة تنافع تضبطها روح التخادم الإستراتيجي بعكس مسلسل التشاكس الذي يجذب شعوب المنطقة ويشد انتباهها.

بالطبع إن إثبات حقائق العلاقات السودانية – التجراوية هذه الأيام كالبحث عن إبرة في كومة قش It is like looking for a needle in a haystack لأن القيادة الحالية في الخرطوم تريد النأي بنفسها عن كل الصراعات الخارجية الجانبية وصب تركيزها على معالجة حالة السيولة الأمنية والسياسية والاقتصادية التي لازمت البلاد عقب سقوط نظام الإنقاذ المباد. ولكن من خلال المشاهد التالية يمكن أن نتلمس خيوط نسيج هذه العلاقة:

مشهد الانفتاح: نقصد بذلك توقيت انفتاح الجيش السوداني على أراضي الفشقة السودانية: حيث فسر الجانب السوداني أن قرار استعادة أراضي الفشقة في هذا التوقيت بأنه يؤكد حسن نية السودان تجاه إثيوبيا لأنه كان يخطط لاستعادتها دون أن يدخل في صدام مسلح مع الجارة الشقيقة إثيوبيا، وأنه بعد أن انشغل جيشها في قتال شعب التجراي عجل من فرص الاستعادة – هذا التبرير ينم عن ذكاء وتعافي العقل السياسي والعسكري السوداني – ولكن بعيدًا عن التبريرات السودانية إن قرار الانفتاح كما فسرته أديس أبابا كان بمثابة ضربة موجعة في خاصرة نظام آبي أحمد وتشتيت لجهوده العسكرية واللوجستية، وفي الوقت عينيه كان يصب في مصلحة شعب التجراي، وكانت النتيجه هي إيقاع الهزائم الموجعة بحق جيش آبي أحمد.

مشهد الاستقبال : حسن الاستقبال السوداني للفارين من الحرب: لقد رسم الشعب السوداني وجيشه العظيم لوحة إنسانية عظيمة ستخلد في ذهن الإنسان التجراوي إلى أجيال مديدة قادمة، إذ إنه بالرغم من الضائقة الاقتصادية في السودان، إلا أن استقبال اللاجئين كان لائقًا وجميلًا، ولكن في المقابل هذه اللوحة الإنسانية أغاظت نظام آبي أحمد وسفيره بالخرطوم، حتى سعى إلى تشويه صورة هذه المجاميع الهاربة من نيران مليشياتهم، وبأسلوب خارج عن الدبلوماسية حاول السفير الإثيوبي ربط مساعي السودان بمساندة المجرمين وحاول ممارسة الضغط السياسي على القيادة في الخرطوم، ولكن بالمحصلة رفضت الخرطوم طلبات استعادة الأبرياء إلى جحيم نظام آبي أحمد الفاشي. وبالتالي إن حسن استقبال السودان للاجئين التجراي خدم الشعب التجراوي وخفف من معاناته وأثلج صدور نخبه.

مشهد التصعيد: التصعيد في جبهة سد النهضة: تعمد السودان مع مصر تشتيت جهود الدبلوماسية الإثيوبية من خلال فتح حرب دبلوماسية حول ملف سد النهضة الخلافي، حيث أدى إلى حالة انكشاف إستراتيجي لنظام آبي أحمد في وقت تتالت عليه الانتقادات الأممية بسبب المجازر والفظائع التي ارتكبت بحق شعب التجراي، وأن حالة التيه الدبلوماسي لنظام آبي أحمد فسحت المجال لشعب التجراي في توصيل صوته للعالم ما أدى إلى تحرك أممي يطلب من آبي أحمد سحب جنوده من أراضي التجراي، وهذا التحرك الدولي خدم التجراي بصورة جليلة حتى استعادوا أراضيهم ودفعوا الغزاة وهزموهم شر هزيمة.

بالمحصلة من الواضح أن السودان يرى في إثيوبيا عنصر توازن في علاقاته الخارجية وبوابة انفتاحه على القارة الأفريقية، وأن أي حالة إرباك قد تشهدها هذه الدولة ربما التبعيات ستكون عليه كبيرة وأن المنطقة بأكملها ستأخذ نصيبها من تداعيات الانهيار، ويرى أيضًا في نظام آبي أحمد مهددًا وجوديًا لكيان الدولة الإثيوبية لذلك قرر التحرك مع المكونات الإثيوبية التي تعتبرها دعائم اسقرار في البلاد لذلك يرى أن التعامل مع التجراي وبقية الشعوب الإثيوبية ربما ينشل إثيوبيا من الانهيار والتفكك الكبير فضلًا عن تخوفاته من تسلط مجموعة الأمهرا التي لا تعترف بعائدية أراضي الفشقة للسودان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد