في أكتوبر من العام الماضي كشفت لجنة الصحة والبيئة والسكان بالبرلمان السوداني عن وجود “21” حاوية تحمل نفايات إلكترونية مسببة للسرطان بميناء بورتسودان، قالت إنها مجهولة المصدر وإنها وصلت البلاد قبل 6 أشهر. وأكدت اللجنة أن هيئة الموانئ البحرية اتخذت كافة الإجراءات لنقل الحاويات لمنطقة آمنة وتغليفها بعوازل تمنع تسرب الإشعاعات، فضلا عن محاولات لنقلها لدول تمتلك محارق لإبادتها. وأضافت اللجنة أنها تجري اتصالات مع وزارة المالية لتوفير الأموال الأزمة لنقل وإبادة هذه النفايات.

 

هذه الحادثة أعادت إثارة تساؤلات حول أن السودان أصبح يستقبل نفايات إلكترونية بصورة مستمرة وأن هذه النفايات تدخل إلى السودان على أنها مساعدات إلكترونية خيرية وهو ما أكده مدير الإعلام بهيئة الموانئ البحرية، محمد سلمان في تصريح لصحيفة الجريدة بأن موردين لم يفصح عنهم”يقومون بالتحايل على السلطات لإدخال تلك الحاويات على أساس أنها مساعدات إنسانية”. كل ذلك يحدث بسبب استفادة بعض المجرمين الجشعين من بعض القوانين السودانية. في عام 2003 طرح مجلس الوزراء مشروع لحوسبة الحكومة اتبعه الاتحاد الوطني للشباب السوداني عام 2009 بمشروع محو الأمية التقنية, ثم نفس الاتحاد مع المجلس القومي للصحافة طرحا مشروع الصحفي الإلكتروني في عام 2010. قامت الحكومة بإصدار العديد من القوانين التي تسهل استيراد الأجهزة الإلكترونية المستعملة, من أجل دعم هذه المشاريع وتمكين غالبية المواطنين من امتلاكها. لكن كالعادة استغلت مافيا الفساد هذه القوانين لزيادة ثرواتهم وتضخيمها باستيراد نفايات إلكترونية والتخلص منها في السودان.

 

و مما يدل على وجود شخصيات نافذة تتكسب من استيراد هذه النفايات هو عدم نشر لجنة الصحة البرلمانية لأسماء المستوردين أو المصدرين, بل حتى أشارت إلى أن مصدر النفايات مجهول! الجميع يعلم أن وثائق الشحن الدولي يجب أن تحتوي معلومات مفصلة عن الشحنة والشاحن والمشحون له.

عموما للسودان سابقة ليست ببعيدة في نفس الإطار حيث نشرت أغلب الصحف اليومية بتاريخ 4 يونيو 2014 عن تورط 36 وزير بين اتحادي وولائي في إدخال 586 شحنة نفايات إلكترونية للبلاد ولم يتم نشر اسم أي من هؤلاء الوزراء أو محاسبتهم حتى لحظة قراءة هذا المقال.

 

وللتأكيد على تنامي هذه الظاهرة وحدوثها بشكل متكرر, فإن هيئة الاتصالات كانت قد قدمت دراسة لمجلس الوزراء في فبراير 2014 قدمها جمال أمين السيد. هذه الدراسة كانت شاملة وتحدثت حتى عن كيفية التخلص من النفايات المحلية. أيضا كشفت تلك الدراسة أنه في عام 2009 وحده تم ضبط 585 حاوية محملة بمئات الأطنان من النفايات الإلكترونية كانت في طريقها إلى داخل الأراضي السودانية.

 

كل ما سبق يؤكد أن المسألة قد وصلت لمرحلة خطرة جدا وأن الموت البطيئ أصبح مصيرا لا بد للسودانيين من مواجهته مستقبلا. كل ذلك يحدث بتواطؤ مسؤولين نافذين في الدولة وأن الحاويات التي يتم الكشف عنها كل فترة وأخرى ما هي إلا صراع بين جهات عليا تتضارب مصالحها, بدليل أن الشحنة الأخيرة التي تحتوي على 21 حاوية ظلت عالقة في ميناء بورتسودان لمدة 6 أشهر قبل الكشف عنها, أعقب ذلك تسجيل الحادثة ضد مجهول. هذا الفساد يدفع الشعب السوداني تبعاته في كل الأحوال, ففي حالة وجدت هذه الشحنات طريقها للداخل فان الموت هو نتيجتها الحتمية, وما تم الكشف عنها فإن على الدولة أن تصرف الملايين من أموال الشعب المغلوب على أمره للتخلص منها. هذه الحوادث تؤكد استهتار المسئولين بالمواطن السوداني لدرجة مقيتة تستوجب وقفة جادة لإعادة الأوضاع إلى نصابها في التو واللحظة.

 

في شأن متصل أصبح نشر الصحف السودانية لأخبار إيقاف شحنات من المخدرات في ميناء بورتسودان من الأشياء الاعتيادية. آخر هذه الشحنات تم الكشف عنها في بدايات نوفمبر الحالي, وكانت عبارة عن حوالي 700 كيلوجرام من المواد المخدرة. وقد كانت صحيفة الصيحة قد أكدت أن الشحنة وصلت إلى ميناء بورتسودان في أغسطس الماضي، وظلت طيلة الفترة الفائتة بمنطقة الكشف الجمركي التابعة للميناء، وأنها طُلبت للكشف يوم 27 أكتوبر، قبل أن يتم ضبط شحنة المخدرات بداخلها, ثم بعد أيام قلائل تم الكشف عن شحنة أخرى ليصل عدد شحنات المخدرات المضبوطة بميناء بورتسودان إلى 5 خلال هذا العام. أيضا أثارت شحنات المخدرات هذه التساؤلات عن تواطؤ المسئولين فيها بعد حادثة القبض على أحداها في أبريل من العالم الماضي. تلك الشحنة المضبوطة وصلت لبورتسودان على أنها شحنة ذرة قادمة من اليونان عن طريق لبنان, واتضح لاحقا أن الإنتربول كان قد أبلغ السلطات السودانية عن تفاصيل الشحنة قبل وصولها. ولكن كالعادة تم تقييد الشحنة ضد مجهول ولم يتم محاسبة أي فرد على أثرها.

 

فساد النظام الحاكم جعل السودان يتحول بما كان يعرف ب”سلة غذاء العالم” إلى مكب نفايات العالم, وذلك لا يقتصر فقط على النفايات الإلكترونية والمخدرات بل يمتد إلى غالبية السلع المستوردة. فقد أصبح السوق السوداني مرتعا لأسوأ المنتجات وأقلها جودة.

وبدلا من أن تتخذ الحكومة تدابير للحد من ذلك, تخرج من فترة لأخرى لتستخدم ذلك الفشل في أغراض سياسية. حيث صرح سمير أحمد قاسم رئيس غرفة المستوردين السودانيين أن سبب غزو البضائع الصينية رديئة الجودة هو المقاطعة الأمريكية للسودان! وما دخل المقاطعة الأمريكية في أن يقوم السودان بفحص البضائع المستوردة والتأكد من صلاحيتها؟ وكانت هيئة المواصفات والمقاييس قد أكدت في نوفمبر 2013 أن حكومتا السودان والصين اتفقتا على الفحص المسبق لمنتجات الوارد والصادر بينهما والسعي لتحسين نوعية المنتجات الصناعية الصينية المشحونة للسودان, وتسهيل التجارة وحماية مصالح البلدين. ولكن عادت الهيئة في فبراير 2015 لتؤكد أنها بصدد نشر قائمة سوداء بأسماء المستوردين الذي رفضوا الالتزام بتلك المعايير. فهل يعقل أن تصدر جهة رسمية تشريعا ثم تأتي بعد عامين وتصرح بأن هناك من لا يلتزم بذلك التشريع وأن كل ما يمكن اتخاذه حيال ذلك هو نشر أسماء هؤلاء المخالفين!

 

عموما من الواضح أن السودان أصبح بلا حسيب أو رقيب, وأن مافيا الفساد ترعى في البلاد كيفما تشاء وكل همها زيادة أرباحها وثرواتها ولو كان ذلك على حساب صحة المواطن أو حتى حياته. وأوضح دليل على ذلك هو ما أعلنته إدارة مستشفى الخرطوم للأورام في نهايات نوفمبر الماضي بأن نسبة الإصابة بالسرطان وسط الأطفال في البلاد قد بلغت 8% وهو ما يتجاوز المتوسط العالمي البالغ 5%.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السودان
عرض التعليقات
تحميل المزيد