«ليبيا فتحت» مقولة سودانية ذاع صيتها في الآونة الأخيرة بعد نشاط التجارة الحدودية بين تجار السودان والجنوب الليبي، وبالرغم من بساطة هذه العبارة فإنها تصف مدى تجذُّر العلاقات المشتركة بين الشعبين الشقيقين.
توسّمت فترة حكم الجنرال معمَّر القذافي لليبيا بعدم الاستقرار والتقلب، خصوصًا في ملف العلاقات الخارجية، فكانت الدولة الليبية في صراع دائم، ووضع من الحرب الباردة مع جاراتها وحلفائها العرب والغربيين، الأمر الذي ألقى بظلالة على طبيعة العلاقات السودانية الليبية على مر التاريخ.

تمثُّل ليبيا بعدًا استراتيجيًّا للسودان، سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا؛ فاستقرار السودان وتوتره تأثر بتوجهات النظام في ليبيا والعكس صحيح. فقد كان للنظام الليبي السابق دور كبير في الاضطرابات والحروب التي شهدها السودان خلال عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، ويعد مساهمًا بدرجة كبيرة في تحويل مجموعات التمرد في جنوب السودان إلى جيش منظم، ويرى أن له يدًا في اضطرابات دارفور. كما أنه قد ظهر الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير كلاعب في الساحة السياسية الليبية في تصريحاته أن طرابلس دُخلت بأسلحة سودانية وأكد ذلك صالح الغرياني، مفتي ليبيا، بمدحة لجهود المخلوع في الدعم العسكري.

إن ما شهدته الأيام الأخيرة في تدخل تركيا بدعمها للسرَّاج وقلب موازين القوى على رأس خليفة حفتر، ومن منطلق أن الشعب السوداني قد أزاح نظام حكم يرأسه البشير، وكان حليفًا استراتيجيًّا لتركيا في المنطقة، أعاد للذاكرة التحديات المتمثلة في دعم حركات المعارضة المسلَّحة في السودان، وجعلها كتائب قوية حاربت فيها نظام المخلوع وزعزعت الاستقرار في غرب وجنوب السودان، وأعاد أيضًا الأسئلة والمخاوف حول مدى تأثير التوترات الليبية في الساحة الأمنية والسياسية في السودان.

عاش السودان في العشر سنوات الأخيرة توترات كبيرة، بدءًا من انفصال الجنوب وخسارة الموارد النفطية، والأزمة الاقتصادية الطاحنة التي أفضت لإسقاط النظام في العام السابق، وتزامن مع هذه الأزمات تقلُّب موقف السودان الدولي وقفزُه بين التحالفات والمحاور، مما أورث حكومة الثورة الانتقالية وضعًا مزعزعًا من العلاقات الدولية والإقليمية تخنقه عقوبات أمريكية مجحفة، وانعكس هذا التوتر على موقف القوات المسلحة، خصوصًا كتائب الدعم السريع بقيادة الجنرال حميدتي، التي أبدت في بداية المطاف دعمها الكامل للمحور الإماراتي المصري السعودي.

بالحرب في اليمن ودعم للجنرال حفتر بالسلاح والعتاد، وهو ما ينافي أهداف الثورة التي طالبت بعلاقات دولية محايدة متجنبة كل الخلافات والانقسامات الدولية، وهو للأسف يفرض على الدولة بأكملها موقفًا عنصريًّا في علاقاته مع الدول الشقيقة والصديقة، وذلك مما أدى لوسم الدولة الهشة ببعد محوري في المنطقة.

السودان وهو يمر بهذه الفترة محاولًا تحقيق مبدأ العدالة الانتقالية وتهيئة الدولة لقيام الديمقراطية، وما يخبأه الواقع من عثرات ومعوقات تحول دون تحويل الهيمنة الأمنية الهشة إلى دوامة صراعات داخلية، ومحاولة السودانيين الابتعاد عن أي صراع جاري في الساحة؛ حتى يستطيع احتواء الأزمات الداخلية، هل ستنجح جهود النأي بالنفس عن هذه المشاكل أم سنكون ضحية الأطماع الدولية والإقليمية.

يبقى التساؤل في هذا الوقت الحرج، عن دور تركيا الحقيقي في شمال أفريقيا؟ وهل على دول الجوار الليبي الخوف من هذا التدخل التركي؟ ولأي مدى تمتد أطماع فرنسا وروسيا وإيطاليا في العمق الأفريقي الغني بالموارد المادية والبشرية؟ ويبقى السؤال الأهم ما مصير الشعب الليبي المغلوب على أمره والغارق تحت وطأة هذه الحروب العبثية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السودان, ليبيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد