تحتاج النفس بين الفينة والأخرى إلى شيء من التغيير؛ للترويح عنها، وتنشيط ما خمل من مشاعرها وتكويناتها الكامنة، ولتلك الضرورات وغيرها ساقتني قدماي إلى مدينة «كوستي» جنوب العاصمة السودانية الخرطوم؛ لتخط أناملي هذه الكلمات في حق المدينة الوادعة، التي ترقد على ضفاف نهر النيل الخالد.

تقع مدينة «كوستي» إلى الجنوب الجغرافي من العاصمة السودانية الخرطوم، وتبعد عنها حوالي 200 كيلو مترًا ونيفًا؛ حيث وقوعها داخل الحدود الإدارية لولاية النيل الأبيض، تعتبر مدينة «كوستي» قلب الولاية النابض بالحياة، تجاورها نديتها مدينة «ربك» التي لا يفصل بينهما سوى نهرٍ ونيلٍ.

تزدان مداخل المدينة بألوان خريفية زاهية، حيث تغلفها الخضرة من كل جانب؛ مما أكسبها جمالًا طبيعيًا، زادته مزارع قصب السكر على جوانب المدينة جمالًا على جمال، وعلى ضفاف نهر النيل تبدو ضفتا النهر كشفتي حسناء زادهُ لون مياه النهر الداكن جمالًا وإثارةً؛ فصارت النفس لا تقوى على إدامة النظر إليها مخافة أن يفتنها جمالها الأخّاذ.

تبدو «كوستي» كأنها نموذج مصغر لمدينة كبيرة؛ حيث إنها رغم عراقتها، وامتداد جذور نموها العمراني إلى فترات سابقة من التاريخ، تبدو الأشياء فيها صغيرة، ابتداءً من مبانيها التي تبدو صغيرة نسبيًا مقارنة بالعمائر في العاصمة الخرطوم، ووسائل المواصلات فيها صغيرة الحجم تتسع فقط لأربعة ركاب خفيفي الظل، أي بلا متاع إلا أن وجود سيارات «الباص» الصغيرة وتسمى «الهايس أو الكريس» سهّل من التنقل فيها؛ حيث إنه رغم صغر شوارعها، وقلة سكانها فإنها تعاني من زحمة سير غير عادية خاصة في وسط المدينة.

من طرائف حي الحلة الجديدة السكني الذي استضافني خلال زيارة اليوم الواحد، التي قمت بها إلى المدينة، أنه يحوي كل شيء بداخله ابتداءً من السوق، وأفران الخبز التي تكاد تملأ كل ناصية من نواصي الحي، وكذلك ميدان الحرية، وميدان كرة القدم الرئيسي للمدينة، حيث يوجدان داخل هذا الحي، ونجد المدارس التي توجد على مرمى حجر، والكلية الجامعية التي يمكن الوصول إليها بالأقدام؛ موفرةً بذلك تكلفة الترحيل التي قد يدفعها الآباء لأبنائهم من مرتادي الكلية الجامعية، والتي بالإمكان ادخارها ربما لتكون مهرًا لزوجة ثانية، حيث إن الطريق إلى صالون الحلاقة كان هو أبعد الخطوات التي أخطوها خارج الحي لتلبية إحدى احتياجاتي.

يسكن «كوستي» خليط من القبائل؛ منها القبائل العربية الرعوية وغيرها في مزيج اجتماعي فريد، انعكس بصورة إيجابية على التعايش بين مكونات المدينة، حيث تمتاز مدينة «كوستي» بأُناسها المتسامحين البسطاء، وتكاد تخلو شوارعها من المشكلات خلا بعض صغار الخلافات أو النقاشات، يمتهن بعض السكان الزراعة، والبعض الآخر التجارة، وغيرهم يعمل في الوظائف الحكومية، كما يوجد من يعمل لدى المنظمات الدولية والإنسانية؛ وذلك لقرب المدينة من دولة جنوب السودان، حيث اتخذتها المنظمات قاعدة لإدارة عمليات الإغاثة، كما أنشأت في أطرافها المعسكرات لإيواء اللاجئين.

«مدينة بلا أكياس بلاستيكية» كان هو الشعار الذي رفعته سلطات المدينة؛ مانعة بذلك تجارة الأكياس البلاستيكية أو تداولها، وأول ما يلفت نظرك هو منظر المواطنين، وهم يحملون الأكياس الورقية، ويجوبون شوارع المدينة كأنهم قد خرجوا سهوًا من جولة تسوق في ناصية الشانزليزيه الشهيرة، ومن الطرائف أننا فور وصولنا لبيت مُضِّيفنا جذبني منظر أكياس من الورق الفاخر، مغلفة بطريقة توحي أن بداخلها كنزًا أو أنواعًا من الفواكه الاستوائية، أو في أسوأ الفروض تفاحًا من حدائق كاليفورنيا، ذات الجودة العالية؛ لأُصدم فيما بعد أن قمت بفتحها بوجود خبز وخضروات بداخلها، لتكون تلك أول خيبة أمل بيني وبين «كوستي».

وفي طريق العودة كما في طريق الذهاب إليها تفاجئك مدينة «كوستي» بجمال مداخلها، وخضرة شوارعها، حيث غادرتُ المدينة في صباح اليوم الثاني، لكن روحي لا تزال هناك، رافضة مغادرة هذا الجمال الكامن في الكون، ومع أول خيوط تنسل من أشعة الشمس، معلنة ميلاد فجر جديد في ضواحي وطرف المدائن ننظر شفق الصباح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد