صبيحة التاسع والعشرين من رمضان ارتكبت أعظم جريمة إنسانية علي مر عصور السودان الحديث، في الساعات الأولى من صباح هذا اليوم حشد المجلس العسكري الانقلابي فلوله ومليشياته وأجهزتة الأمنية والشرطية كافة من أجل فض الاعتصام، هذا الحشد السلمي الذي ثار على النظام البائد في السودان، وخرج شاهرًا هتافه (حرية.. سلام.. وعدالة)، من أجل ذلك الشعار العظيم والمبادئ خرج الشعب السوداني من جميع بقاع السودان واحتشدوا في الساحات وأمام القيادة العامة للجيش في كل مدينة من مدن السودان يطالبون بالحرية والعدالة والسلام والديمقراطية، بعد أن استبد النظام المخروع 30 عامًا جاثمًا على صدور الشعب، شرد مئات السودانيين إلى دول المهجر باحثين عن كرامة وحرية وعيش كريم، وقتل الآلاف من الشعب بالحروب والاستبداد والعنصرية، ضاقت المعيشة وازداد الوضع سوءًا وحياة ضنكًا وقاهرة.

هذا الثورة بدأت من شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام 2019 في بعض مدن السودان (الدمازين، وعطبرة، وغيرها من المدن) سرعان ما اشتعلت في الخرطوم، وازدادت الشوارع هتافًا بالحرية والديمقراطية، وسقوط النظام، إلى أن وصلت الحشود إلى ساحات القيادة العامة للجيش في السادس من أبريل (نيسان)، وهي كانت النقطة الفارغة في الثورة التي اشتعلت وأوقدت في الولايات الأخرى من السودان.

المجلس العسكري بعد أن استلم مقاليد الحكم في السودان، وانحاز إلى مطالب الشعب كما يدعي أنه مع الثورة والشعب، فبدأ في المناورات السياسية من قوى الحرية والتغير، هي إحدي المجموعات التي نظمت الحراك الشعبي الثائر الذي بدورة أدى إلى اقتلاع النظام، إعلان الحرية والتغيير، تضم طيفًا واسعًا من المجموعات والتكتلات السياسية بجميع اختلافاتها، تضم تجمع المهنيين السودانيين، هذا الجسم الذي يضم النقابات العمالية من جميع فئات المجتمع، وهو النواة الحقيقية للثورة وبدورة عمل على قيادة الحراك وطور من تكويناته العمالية لتضم وثيقة تسمى اعلان الحرية والتغير، هذا الوثيقة هي التي أدت إلى كبر كتلة معارضة في السودان الآن.

الثورة هي كفاح مستمرة ومقاومة لا تتوقف، بل تتجدد يوميًا في حياتنا نحو السلام والحرية والعدالة والإنسانية جمعاء، بدأت تلك الثورة بالوعي بالحقوق وبالسلمية والمقاومة لكل أشكال العنف والطغاة والاستبداد، هذا الهتاف الذي تبلور في نهايتة إلى سقوط الطاغية الذي حكم 30 عامًا، ارتكب أبشع الجرائم في جميع أنحاء الوطن، من حرب قبلية وحرب اقتتال وعنصرية ومحسوبية وفساد وظلم وكل أشكال اللا عدالة.

ساحة الاعتصام كانت تضم تعددية سودانية بكل أشكالها المختلفة المتنوعة، من فنون وسياسيين وفنانين ورياضيين وغيرهم، وحتى الدبلوماسيين والسفراء والأجانب كانوا يرتادون هذا المكان الذي ينشد العدالة والحرية والسلام، كانوا جميعهم يبحثون عن وطنهم الذي سلب منهم قبل 30 عامًا.

بدأ الجميع في رسم خططة للمستقبل وللوطن الآتي الذي نحلم به جميعًا، وطن دون فساد ولا حرب ولا اقتتال ولا محسوبية، وطن حر ديمقراطي عادل شامخ بين الأمم نتفاخر به، ولكن هيهات حصل ما حصل من غدر وخيانة من قبل العسكر الذين لا يؤمنون بالديمقراطية ولا العدالة، اتضح لنا بعد ارتكابهم تلك المجزرة، اتضح لنا أننا نتعامل مع خلايا وفلول النظام السابق، بكل عتادهم وبطشهم، من كتائب الظل، وكذلك القوات الخاصة، وكذلك أجهزة الأمن، وكذلك الأمن الشعبي جميعهم، كانوا يضربون المعتصمين السلمين، الذين يحملون هموم الوطن والعدالة.

نحن نسير في طريق الكفاح والثورة والمقاومة رغم الغدر والخيانة من قبل العسكر الذين ائتمناهم، وظننا بهم خيرًا، ولكن؟

هذا الطريق الذي نسير فيه نحو الدولة الوطنية والعادلة ودولة المؤسسات والحريات والقانون، هذا الطريق لن نتوقف فيه، ولن نرجع، ولن نساوم على تلك الأرواح التي راحت وهم ينشجون وطنًا حرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد