منذ استقلال السودان في 19 ديسمبر 1955 م، من حقبة الاستعمار الإنجليزي، وحكم دولتي الحكم الثنائي، على يد مؤتمر الخريجين الذي تأسس في العام 1938م، باعتباره واجهة اجتماعية ثقافية لخريجي المدارس، والمعاهد العليا.

لم يمن الله على السودان، مشروعًا قوميًا جعل الشعب يلتف من حوله، أو يحافظ على وحدته، وكف الصراعات الداخلية التي أرهقت الشعب، وما زالت إلى يومنا هذا، بالرغم من انفصال الجنوب في 9 يوليو 2011م.

شكلت الصراعات الأيديولوجية هاجسًا مزمنًا للسودان الحديث، أو السودان ما بعد الاستعمار، من الأحزاب «اليمين، واليساري، والشمولي، والأحزاب الطائفية، والأخيرة مدعومة من الأنصار، وحزب الأمة، وحزب الأشقاء وهو الوطني الاتحادي لاحقًا»، وكل همهم أن يتدخلوا في السياسة من باب التجربة، والقيادة، وفرض الهيمنة على الساحة السياسية؛ عبر رؤية دينية، في بلاد تتعدد فيها الديانات.

ولكن ظلت مشلكة الجنوب معضلة حقيقة في إعاقة التنمية بالبلاد، مع عدم صياغة دستور دائم يشكل الحقوق والواجبات؛ وهنا رأت حكومة الفريق «إبراهيم عبود» بأن مشكلة الدستور يمكن حلها بالاهتمام أولًا بالحكم المحلي، أي إرساء قواعد الديمقراطية بين الشعب، وعلى هذا الاتجاه تم تشكيل لجنة وزارية لدراسة نظام الحكم المحلي، باعتباره بداية نحو صياغة نظام دستوري مناسب، يساعد في حفظ الحقوق والقوانين، مما يعزز فرص التنمية.

إلا أن قضية الجنوب كانت تأخذ منحنى آخر، في أواخر أيام حكومة الفريق «إبراهيم عبود»، عندما نشطت المعارضة الجنوبية في المنفى، وبرز حزب «سانو SANU»، الاتحاد السوداني الإفريقي بقيادة «جوزيف لاقو»، باعتباره داعية لانفصال الجنوب، في حالة رفض الشمال الاتحاد الفيدرالي كباعتباره حلًا للمشكلة.

في هذه الحقبة من التوتر وعدم الاستقرار، كان المصريون يبرمون الاتفاقيات ويعدون العدة لانطلاق مشروع بناء السد العالي، الذي جعل منه الرئيس آنذاك «جمال عبد الناصر»، مشروعًا قوميًا، تكاتف معه كافة الشعب المصري؛ وهنا كان السماح لـبحيرة السد التدفق داخل الحدود السودانية، وإغراق مدينة كاملة، وتهجير سكانها «مدينة حلفا»، وعلى أساس ذاك تتم إبرام اتفاقية مع مصر؛ لتقاسُم مياه النيل باعتبارها صفقة متبادلة، والتي رفعت حصة السودان إلى 11 مليار متر مكعب من مياه النيل، وتبنت الحكومة إنشاء خطط تنموية مثل التوسع في الزراعة؛ من خلال إقامة مشاريع في الريف، وإعادة هيكلة السكك الحديدية، مع كل هذا التقدم الملحوظ نحو وضع اقتصادي، وتنموي مستقر؛ استغلت الأحزاب السياسية تدهور الوضع في الجنوب، وأعلنت معارضتها بشكل صريح؛ مما أدى إلى شرارة أكتوبر، والإطاحة بنظام «الفريق عبود»، وتوقفت التنمية في كل قطاعاتها.

ومع تعاقب كل هذه الحكومات الوطنية لم يخرج السودان من مأزقه، مرورًا بـالديمقراطية الثانية، وثورة مايو، والديمقراطية الثالثة، إلى ثورة الإنقاذ الوطني؛ والتي تحكم إلى يومنا هذا منذ العام 1989م.

استغلت الإنقاذ الإسلام في تحكيم قبضتها على الحكم، من خلال تفعيل سياسات التمكين وسط كوادرها، كما أحالت كل معارضيها من الكفاءات إلى الصالح العام، مما أدى إلى انهيار الخدمات المدنية، وتشريد الخبرات، والكفاءات خارج الوطن، وجعل البلاد تعيش أسوأ فتراتها، خاصة بعد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية في العام 1997م؛ وبعدها أصبحت البلاد تعيش في عزلة تامة، وظلام دامس.

كل هذا التاريخ والسودان ما زال يتصدع، حتى بعد رفع العقوبات عنه، إذًا لا بد من توحيد الصف، ولم شمل كل القوى المعارضة على مشروع قومي؛ وهو إدارة السودان ونهضته، والسودان معروف بخيراته من معادن، وسياحة، وزراعة، وثروة حيوانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد