ستظل صورة مبنى حزب المؤتمر الوطني (الذي ينحدر منه نظام المخلوع عمر البشير) في عطبرة، وهو يكافح كل من النار والغضب الشعبي، ستظل عالقة في وجدان كل سوداني، ليست لأنها الشرارة الأولى لانطلاق رياح التغيير على الطريقة السودانية فقط، بل لأنها أعادت للشعب السوداني الأمل الذي ظل مسلوبًا طيلة الثلاثين عامًا الماضية، هذا الأمل لم ينحصر داخل حدود السودان فقط، بل تجاوزها تمامًا كما يتجاوز النيل حلفا، الثورة السودانية أعادت للجميع ذكريات الربيع العربي بكل نجاحاته في إحداث تغيير للنظم السياسية، وبكل القصص الإنسانية والالتحام الوطني، ولكن بكل المرارات والقمع أيضًا، يفضل كثير من السودانيين عدم إطلاق لفظ «الربيع» واستبدال لفظ «الكتاحة» به، والكتاحة هي العاصفة الترابية القوية التي لا تُغير وجهتها ولا مسارها، الكتاحة لا تعرف المهادنة ولا الاستسلام تماما مثل كتاحة 30 يونيو التي لم تنجح بربرية ووحشية القوات الأمنية في قمعها بل أجبرت المجلس العسكري الانتقالي آنذاك على تقديم موافقته على المبادرة الإثيوبية بعد ساعتين فقط من انطلاق التظاهرات والحشود الضخمة.

يبدو جليًّا للعيان أن السودان بعد الثاني عشر من أبريل (نيسان) ليس كما قبله، فبعد نجاح الثورة اصبح السؤال الأساسي لكل أهل السودان هو كيف يُحكم السودان بعد أن كان السؤال الرئيسي من سيحكم السودان. في بداية العام الحالي تكوّن ميثاق إعلان الحرية والتغيير بعد مرور 12 يومًا على انطلاق شرارة الثورة السودانية، يضم إعلان الحرية والتغيير كيانات مهنية وحزبية أبرزها تجمع المهنيين السودانيين صاحب الفضل في هندسة ثورة 19 ديسمبر المجيدة.

ينص إعلان الحرية والتغيير على تحويل السودان إلى دولة برلمانية تعددية، مخالفًا بذلك تركيبة النظام السابق، ولكن هل سينجح النظام البرلماني في تحقيق الاستقرار السياسي السوداني؟ أم أنه سيقود البلاد إلى صراعات سياسية أعمق تزيد من تعقيدات المشهد السياسي في البلاد؟

ما النظام البرلماني؟ ما الفرق بين النظامين الرئاسي والبرلماني؟
النظام البرلماني يختلف عن نظيره الرئاسي في طبيعة تكوين السلطة التنفيذية، ففي النظام البرلماني تكون مهمة تشكيل الحكومة من نصيب البرلمان (السلطتين التنفيذية والتشريعية تحت سيطرة البرلمان)، ويكون منصب رئيس الجمهورية شرفيًّا فقط، أما في النظام الرئاسي تكون مهمة رئيس الجمهورية الأولى هي تشكيل السلطة التنفيذية، ويكون البرلمان مراقبًا لهذه السلطة. يتشابه النظامان في استقلالية السلطة القضائية وكونها مراقبًا للسلطات الاخرى. ولتشكيل الحكومة، يشترط النظام البرلماني تفوق أحد الأحزاب بعدد مقاعد يتجاوز نصف العدد الكلي للمقاعد البرلمانية، وفي عدم تحقيق أي حزب للغالبية المطلقة يجب تشكيل ائتلاف حزبي يضم مجموعة من الاحزاب السياسية، بحيث يكون لهذا الائتلاف الغالبية المطلقة.

الحالة الأولى تخلق نظامًا قريبًا جدًّا من النظام الرئاسي بسبب انفراد حزب واحد بتشكيل الحكومة، والسيناريو الثاني قد يؤدي إلى صراعات أو إحداث فراغ سياسي، لكنه يمثل جوهر النظام البرلماني. يتميز النظام البرلماني بأنه يساعد في خلق تفاعل حقيقي بين السلطة التنفيذية من جهة، والسلطة التشريعية من جهة؛ لأن كل منهما مكمل للآخر، كما يُرسخ النظام البرلماني للديمقراطية ويمنع الاستبداد، ويؤدي إلى حفظ وحدة الدولة وسلامة أراضيها، لكن في المقابل قد يؤدي إلى عدم استقرار الحكومة، كما أنه نظام غير فعال في الدول ذات التجربة السياسية الحديثة؛ لأنه يحتاج إلى وعي وإدراك سياسيين عاليين. محاسن النظام الرئاسي تتمثل في توفيره بيئة مستقرة سياسيًّا لدورة انتخابية كاملة، بالإضافة إلى أنه يساعد كلًّا من الحكومة والبرلمان في ممارسة مهامهما بكل حرية ومرونة، لكنه قد يؤدي إلى الاستبداد وهيمنة الرئيس.

هل سينجح النظام البرلماني في تحقيق السودان المنشود؟ أم أنه سيكون بداية خاطئة للشعب السوداني؟
بالنظر إلى السودان بعمق وبفهم طبيعة الأنظمة البرلمانية، نجد أن فرص نجاح النظام البرلماني خلال الفترة الانتقالية مرتفعة جدًّا، باعتبار أن الآلية المتبعة في تشكيل البرلمان هي آلية اختيارية، تخضع لمعايير كثيرة لا تمثل الجغرافيا فيها العامل المفصلي، ولكن بعد الفترة الانتقالية ستكون فرص نجاح النظام البرلماني ضئيلة؛ وذلك بسبب تحول الآلية التي يُشكل بها البرلمان إلى أخرى انتخابية، وتشكل الجغرافيا والانتماء المكاني والجهوي العامل المهم والرئيسي للناخبين في مناطق البلاد المختلفة، دون أدنى إلمام بمشروع المرشح، وقد اعتمد نظام البشير على التواصل مع أعيان ونُظراء كثير من الدوائر الانتخابية، ومحاولة استمالتهم للترشح في الانتخابات التشريعية تحت راية المؤتمر الوطني، برغم أن كثيرًا منهم ليسوا أعضاء في الحزب، وليست لهم خبرة سياسية، هم فقط يملكون شعبية قبلية، أو رمزية دينية في تلك الدوائر، وهذا ما جعل البرلمان عبارة عن مجموعة طُفيلية تستغل شعبيتها لتحقيق مصالح شخصية أو قبلية، في أحسن الأحوال بنظر كثيرين. نجاح النظام البرلماني يتطلب تغييرً في آلية الاختيار بالنسبة للناخبين السودانيين من النمط الحالي، كما يجب على الأحزاب السياسية اختيار مرشيحها، إذ يمتلك المرشح خبرة سياسية، أيضًا واحدة من الاسباب المحتملة لفشل النظام البرلماني السوداني هي التركيبة الحزبية السودانية مقارنة بدول برلمانية أخرى مثل بريطانيا مهد الأنظمة البرلمانية، ففي السودان يوجد أكثر من 200 حزب سياسي مقارنة بحزبين فقط في بريطانيا، وكثرة الأحزاب السياسية ستؤدي إلى تشتيت اصوات الناخبين؛ مما يقود إلى صعوبات في تشكيل أي حكومة جديدة، أضف إلى ذلك الصراعات السياسية والحساسيات التاريخية بين الأحزاب السودانية، وهي ظاهرة لا يمكن إنكارها، حتى داخل الائتلاف الواحد كقوي الحرية والتغيير مثلًا، يوجد صراع داخلي يبدو جليًّا يومًا بعد يوم، ولعل مطالبة الحزب الشيوعي بطرد حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي، من قوى الحرية والتغيير كافية جدًّا لتوضيح حالة الصراع بين مكونات الائتلاف الواحد، ناهيك عن الاحزاب والائتلافات السياسية ذات الأيديولوجيات المتناقضة.

هل يلائم النظام الرئاسي الحالة السودانية؟ أم أنه سيكون خطوة لإعادة النظام القديم؟
يختلف السودان عن باقي دول الربيع العربي بأنه البلد الذي مر بتجارب وفترات حكم ديمقراطية، الشعب السوداني عاصر ثلاث تجارب ديمقراطية، لكنها للأسف اتسمت بعدم الاستقرار السياسي، ففي الديمقراطية الثالثة وحدها، تشكلت خمس حكومات ائتلافية في ظرف أربع سنوات فقط، التوتر السياسي بلغ حد مطالبة بعض الأحزاب السياسية بحظر الأحزاب السياسية المناهضة لها فكريًّا كما حصل مع الحزب الشيوعي في فترة الديمقراطية الثانية في عهد حكومة الصادق المهدي. يمكننا القول إن كل الأنظمة البرلمانية التي مر بها السودان لم تكن أنظمة فعالة، ولم تصنع أو تُحدِث تغييرًا اقتصادي ملموس بل زادت الأوضاع الاقتصادية رداءةً في فترات الحكم الديمقراطي. فشل الأنظمة البرلمانية لم يكن سمة للسودان وحده ولعل المراقب لحالة الشرق الأوسط اليوم يلاحظ أن بعض الدول أصبتها حالة من النفور من النظام البرلماني، تركيا التي ظلت لأكثر من 90 عامًا دولة برلمانية تحولت إلى النظام الرئاسي بعد استفتاء عام 2017 الشهير.

النظام الرئاسي بالشكل السائد في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير لا يلائم طبيعة السودان؛ لأنه يُكدس السلطة في يد مجموعة معينة من الطبقة الحاكمة، ولكن إذا قمنا بدراسة النظام الرئاسي المتبع في الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا نجد أن فرص نجاح هذا النظام مرتفعة جدا في السودان لانه قام بجمع ايجابيات النظام البرلماني، ووضعها في يد مجلس الشيوخ وجمع محاسن النظام الرئاسي، وجعلها في يد شخص الرئيس، يتكون مجلس الشيوخ الأمريكي من أكثر من 100 نائب لهم خبرة كبيرة في مجال السياسة، مجلس الشيوخ الأمريكي يحتوي على نائبين من كل ولاية ووظيفته الرئيسية مراقبة السلطة التنفيذية والتصديق على الاتفاقيات الدولية والقوانين الأخرى، في الوقت نفسه يسمح النظام الأمريكي للرئيس بتشكيل الحكومة؛ مما يؤدي إلى تفادي مشكلة الفراغ السياسي، بالنظر إلى الحالة الأمريكية يمكننا القول بأن هذا النموذج هو الأفضل للدولة السودانية. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد