بعد طول انتظار وجدل وصراع بين القوى السياسية، أُعلن الخميس 11 مايو (أيار) عن تشكيل الحكومة الجديدة فى السودان، ولكن مع الحجم الكبير لهذه الحكومة – والتى تستمر فترتها الدستورية حتى العام 2020 – تتضاءل الآمال في حدوث إصلاح أو تغيير حقيقيين، إذ يشارك الحكومة 75 حزبًا و36 حركة!

تكونت حكومة الوفاق الوطني من 31 وزيرًا و43 وزير دولة، و4 مساعدين للرئيس، بجانب تعيين نواب بالبرلمان والمجالس التشريعية للولايات، وربما لاحقًا سيتم تعيين مسئوليين بحكومات الولايات.

أتت الحكومة الجديدة في خضم الحوار الوطني المثير للجدل، والذي كان قد دعا إليه رئيس الجمهورية في يناير (كانون الثاني)  2014 وقاطعته الأحزاب المعارضة، فيما شاركت فيه بحماس أحزاب صغيرة وحركات منشقة، أو انضمت إلى السلام، وصدرت عن ما عُرف بالوثيقة الوطنية.

بالنسبة للمراقبين، يبدو أن المؤتمر الوطني قد نجح في فرض الأمر الواقع على الجميع من خلال تمرير الحوار الوطني بالنتيجة التي انتهى إليها، محققًا بذلك انتصارًا كبيرًا على قوى المعارضة الي كانت تراهن على الضغوط الخارجية لحمْله على القبول بما تسميه بالمؤتمر التحضيري بالخارج أو الدخول في حوار وطني جديد.

من التحديات الحقيقية أمام الحكومة الجديدة تحقيق السلام وتحقيق الأمن والاستقرار وكيفية استغلال الزخم الخارجي الداعم لتحقيق تسوية سياسية واستكمال السلام، لكن تواجه بتعقيدات تتطلب حكمة ساسية.

إن الإصلاح السياسي بالضرورة يقود إلى الحديث عن الإصلاح الاقتصادي، والأخير بدوره يقود إلى مسألة إصلاح دولاب الدولة.

على أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة الجديدة، والذي يحدد مدى نحاجها من عدمه، هو مسألة الخدمات العامة واتخاذ سياسات جادة لتحسين مستويات معيشة غالبية فئات المجتمع، لاسيما الشرائح الأضعف، بعد أن شهدت العقود الأخيرة تدهورًا مريعًا في نوعية ومستوى الخدمات العامة، لاسيما التعليم والصحة، فضلًا عن المياه والكهرباء والنظافة.

وعلى وجه التحديد، يحتاج قطاع الخدمات العامة إرادة حقيقية، فالخدمات – على ضعفها – تنوء تحت ضغط شديد من زحف فقراء الحضر وتزايد السكان إلى جانب اللاجئين والنازحين.

هذا الوضع الاقتصادى الحالي هو جزء من مشكلة السياسات الكلية وغياب التخطيط السليم وبالنتيجة الهدر والإنفاق البذخي والخلل في نظام الأولويات. وهذا الوضع يتطلب الإصلاح الكلى المتعلق بسياسات الإنتاج والضرائب وتوزيع الدخل وفق الأولويات.

كذلك، هناك مسألة الديون الخارجية وهي الشغل الشاغل للحكومة في الأشهر الأخيرة، فكيف ستقنع الحكومة الجديدة – أو بالأحرى – تساعد الجهات التى تحاول إعفاء أو تخفيف هذه الديون والتي تتطلب سياسات وإجراءات صارمة تبدأ من مكافحة الفساد الذي يستشرى بسبب الترهل والتضخم بجهاز الدولة.

أيضًا، ستُواجه الحكومة الجديدة بتحد آخر هو الانفتاح الخارجي في علاقات السودان مع محيطه الإقليمي ومع الدول الكبرى، لاسيما العلاقات مع واشنطن حيث قامت إدارة اوباما في ديسمبر (كانون الأول) المنصرم برفع جزئي للعقوبات المفروضة على السودان على أن يخضع للرقابة مدة ستة أشهر.

التحدي ربما يكون مع إدارة ترامب حيث يسيطر على سياسياتها تجاه بعض الملفات والقضايا بعض الغموض أو العداونية، وهذا مؤشر على احتمالات: إما أن تستمر إدارة ترامب فيما ما بدأته إدارة أوباما من رفع للعقوبات وشطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب أو تبقى على العقوبات على هذا المستوى، أو أن تُجدد بعقوبات ذكية كما تطالب بذلك بعض مجموعات الضغط.

هناك تطور سياسى مهم قد لا يلحظه كثيرون، وهو الانتقال السياسي السلس داخل الحكم الحالي، فرئيس حكومة الوفاق الوطني الجديدة الفريق أول بكرى حسن صالح – هو سليل المؤسسة العسكرية، احتفظ بمنصبه كنائب الرئيس، وفي نفس الوقت يشغل نائب أمين العام للحركة الإسلامية – يعتبر خلفية محتملًا للرئيس البشير الذي عانى في السنتين الأخيرتين من عدة وعكات صحية، وقد لا يترشح في الانتخابات الرئاسية المزمعة في العام 2020.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد