لا يجد العاقل أي شك ولا ريب في توصيف الحالة السودانية؛ وذلك لأن المشهد السياسي في السودان معطياته واضحة وتجلياته بائنة، فمحاولة تسليط الضوء على احتجاجات السودان وتصويرها بأنها ثورة شعبية لاقتلاع النظام ما هي إلا محض افتراء وتدليس، ومحاولة يائسة لإنتاج الحروب القديمة من أعداء الوطن وأعداء المشروع الإسلامي بوسائل مستحدثة وجديدة مستغلين الظرف الذي تمر به البلاد، من ضائقة معيشية، وشح في المواد البترولية فضلًا عن شح السيولة نتيجة تحريض قوى معارضة للرأسماليين والمواطنيين بعدم إيداع أموالهم في المصارف! كما هو معروف أن المشكلة السودانية ليست وليدة اللحظة، إنما هي نتيجة لتراكمات وحصار تجاوز الربع قرن، في أبشع صوره وتجلياته، تعرض له نظام الحكم في السودان من أمريكا والمجتمع الدولي وما زال!

هذه الأزمات المتراكمة استفحلت في السنوات الأخيرة وخلقت ضائقة أدت بسسببها إلى ظهور بعض الاحتجاجات المطلبية كحق طبيعي ومطلب شرعي!

ولكن بعض قوى اليسار أرادت الاستثمار في هذا الجو وتمرير أجندة سياسية خلف المطالب الشعبية، بمساعدة من قوى إقليمية معادية بهدف تصفية النظام الإسلامي في السودان وعزله، والقضاء عليه، ومن ثم القضاء على بقايا الإسلام السياسي، لتنفيذ الخطة المعدة مسبقًا!

وللاستفادة من الوضع الراهن ومن أجل تنفيذ هذه الخطة كان لابد من إعلام معاد يعمل على التشكيك في النظام وتشويهه وتجريم كل حلفائه، وخلق فتنة داخلية وتفكيك مكونات النظام وعزله عن عناصر بقائه (الشعب السوداني، الحركة الإسلامية، الطلاب، الدفاع الشعبي… إلخ) فضلًا عن محاولات خلق الصدام بين أجهزة الدولة (الجيش، الأمن، الدعم السريع، الشرطة) ليسهل الانقضاض عليه.

ولكن لأن النظام يعي الدرس جيدًا، ويعي كل أشكال التكالب، وما زالت حاضرة عنده تجربة الإخوان في مصر، والهدف ليس إسقاطه فحسب، بل الهدف تصفيته كاملًا وتصفية كل مؤسساته، والقضاء على الإسلاميين! كانت درجة استعداده عالية جدًا للتعامل مع كل سيناريوهات هذه الحرب الجديدة!

فكانت النتيجة فشلت المعارضة في تمرير أجندتها، وفشلت الثورة المزعومة بفضل وعي الشعب السوداني وعدم ثقته في أي بديل للإنقاذ.

فما أريد أن أقوله هنا لا يمكن توصيف الحالة السودانية (بثورة)، فالثورة لابد أن ترتكز على أسس ومبادئ أساسية.

أولًا: الثورة لا بد لها من وجهة. فما يحدث الآن احتجاجات ليست لها وجهة، إنما هي مطالب تزول بزوال أسبابها.

ثانيًا: الثورة لابد لها من قيادة (زعيم أو كيان سياسي).

وهذا ما تفتقده الحالة السودانية لا أحد يستطيع تحديد من يقود هذه الثورة؟ ولا يمكن لأي ثورة أن تحقق أهدافها بلا قيادة

ثالثًا: الثورة لابد أن تتحقق حولها إجماعًا من كل مكونات الشعب وكل المؤسسات، وكل الأحزاب والأجهزة الأمنية، أما في السودن فالعكس تمامًا، وهذا ما يفسر عدم التجاوب والاستجابة لنداءات التظاهر أو الإضراب، بدليل أن الرئيس في ظل هذا التصعيد الإعلامي عقد عدد من اللقاءات النوعية والجماهيرية كرد عملي لفشل أي دعوة لقيام ثورة في السودان. 

رابعًا: القدرة على حمايتها من الانتهازيين.

وهنا قبل اصطياد الفريسة بدأ الحديث عن تقسيمها، وقبل أن تستجمع التظاهرات قوتها، وقبل أن يستجيب لها الشارع، ظهر الانتهازيون (الجبهة الوطنية للتغيير، نداء السودان، تجمع المهنيون) بالنسبة للجبهة الوطنية كل قياداتها من حلفاء النظام أو عناصر منسلخة من النظام نفسه أو موقعة على وثيقة الحوار التي طرحها النظام، ويعرف قيادات هذه الجبهة جميعهم بتبدل مواقفهم وعدم الثبات على مبادئهم وإثارة الخلافات داخل أحزابهم وبعضهم يلهث وراء السلطة بأي ثمن.

أما نداء السودان فهو تجمع معروف ليس له تأثير، فشل عسكريًا وسياسيًا، ويلعب من أجل الظفر بمقاعد في حال نجحت ثورتهم المزعومة. 

أما الجسم الانتهازي الآخر والذي يريد اختطاف هذه الثورة المدعاة؛ هو ما يعرف بتجمع المهنيين السودانيين! وهو في الأصل ستار للحزب الشيوعي الذي فشل في إبراز نفسه سياسيًا؛ وذلك لرفضه من قبل الشعب السوداني، وهو يعلم بأن ظهوره في أي مشهد سياسي لا يستجيب لنداءاته الشعب لذلك عبر خلاياه صنع هذا الجسم، وسرعان ما انكشف وأصبح معزولًا. 

بهذه المعطيات لا يمكن أن نطلق لحالة المشهد السياسي في السودان اسم (الثورة) ومحاولة حشد الإعلام وتسليط الضوء على الواقع السوداني ما هو إلا تكرار لمسلسل المؤامرات القديمة والحرب السابقة بوسائل جديدة، فالقوى العظمى، واللوبي الصهيو أمريكي وبعض القوى الإقليمية المعادية للنطام الإسلامي، وعبر مخالبها في الداخل لا تهدأ لها بال حتى تقضي على النظام في السودان، لذلك أرادت تنفيذ أجندتها في ظل هذه الظروف. 

ولكن بوعي الشعب السوداني، وهي ترى ما آلت إليه دول الربيع العربي لن تفرط أو تساوم في أمنها مقابل الخبز. كذلك الشعب السوداني يعلم تمامًا أن هذه القوى مجتمعة ليست لها حلول للوضع الاقتصادي أفضل مما طرحته الحكومة لو كان عندها حل لقدمتها من أجل شعبها.

لذلك فالاحتجاجات في السودان لن ترقى لمستوى أن نسميها ثورة:

الإسلاميون على اختلافهم، وهم يشاهدون ما يحدث للإسلاميين في الجوار وكل العالم لن يفرطوا، وسيعملون من أجل إغلاق الباب أمام أي ثورة ضدهم، والتجارب تؤكد ذكاء الإسلاميين في السودان في التعامل مع مثل هذه المواقف، وإن كانت الثورة في تونس استمرت سبعة أعوام، فإن أي ثورة لاقتلاع نظام الحكم في السودان تحتاج إلى 70 عامًا ليس لتشبث الإسلاميين بالسلطة، ولكنهم يرون أن الطريق إلى السلطة لابد أن يمر عبر الانتخابات! 

فليس هناك سبيل إلا الحوار أو الانتخابات، كما يقول قادة النظام في الخرطوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السودان

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد