على مدار التاريخ السياسي السوداني تربع الكثير من العقول على كراسي الحكم منذ فجر الاستقلال، لقب أول حاكم للبلاد – بعد الاستقلال – برئيس مجلس السيادة، ثم حكم البلاد رئيس للوزراء؛ ليظهر بعد ذلك لقب رأس الدولة، وأخيرًا أطلق لقب رئيس الجمهورية للمرة الأولى على الرئيس جعفر نميري؛ ليكون الرئيس عمر حسن  البشير ثاني حاكم للبلاد يطلق عليه لقب رئيس للجمهورية السودانية.

وفي ظل كل هذا المزيج السياسي والتناقضات التي تحكم علاقة السودان بالعالم، استطاع البشير أن يجمع بين الكثير من الأضداد والمتناقضات، حيث جمع في علاقاته الخارجية بين الكثير من الأقطاب المتنافرة، وخطوط المصالح العالمية المستقيمة التي لا تلتقي أبدًا في يوم من الأيام، وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر بيننا في التعاطي مع الكثير من الأمور، حيث ينظر لها كل منا من منظور مختلف، إلا أنه رجل دولة من الطراز الرفيع، بدأ البشير أولى مناوراته السياسية بُعيد تسلمه مقاليد الحكم مباشرةً، عندما قام بعملية تمويه لانقلاب ١٩٨٩، حيث عمد إلى إخفاء هوية الانقلاب؛ لكسب التأييد العالمي، خاصة أن الدول العربية والغربية في ذلك الوقت لم تكن تعلم بعد هوية منفذي الانقلاب؛ لذلك لم تسارع إلى الاعتراف بالحكومة الجديدة، ولعلمه أن الغرب لن يؤيد حكومة تتبنى النهج الإسلامي، ولن تقدم لها أي شكل من أشكال الدعم، قام البشير بإخفاء الخلفية الإسلامية له، حيث بلغ به الدهاء حد اعتقال عرّابه الشيخ حسن الترابي؛ مما زاد من صعوبة التكهن بماهية الحكومة الجديدة، الامر الذي كان له بالغ الأثر في سرعة الاعتراف بالحكومة الجديدة من قبل العديد من الدول، والترحيب بها، وتقديم كافة أشكال الدعم لها، ذلك الدعم بالغ الأهمية لأي كيان في طور التكوّن.

لطالما شكلت إيران حجر زاوية في علاقة السودان بالعالم الخارجي: فبعد نجاح الثورة الإسلامية؛ أيد السودان التوجه الإسلامي في إيران؛ باعتباره امتدادًا لتجارب حركات الإسلام السياسي في العالم، التي تشكل التجربة السودانية فيها تجربة رائدة داخل منظومة العمل السياسي الإسلامي، ولكن سرعان ما غير السودان الدفة متجهًا صوب بلاد الرافدين، حيث أيد – بشدة – سياسات الرئيس العراقي صدام حسين، الذي شكل جبهة عربية في مواجهة الأطماع الفارسية، مرورًا بالوقوف إلى جانبه في المسألة الكويتية، الأمر الذي فسرته – لاحقًا – المدرسة الدبلوماسية السودانية برغبة السودان – في ذلك الوقت – في حلحلة القضايا العربية من قبل الأطراف العربية فقط، رافضًا المواقف المنادية للتدخلات الأجنبية الأمريكية أو الأوروبية، قبل أن تعود العلاقات السودانية الإيرانية لسابق عهدها مرة أخرى، ولكن بصورة أقوى، وصل حد التعاون العسكري والتنسيق في القضايا الدولية إلى تطابق وجهات النظر، تلتها زيارات مكوكية لرؤساء البلدين، ولكن انقلب الربيع إلى شتاء قاس: حيث أغلق السودان كل المراكز الثقافية الإيرانية العاملة في الخرطوم؛ لينتهي المسلسل بقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين؛ بسبب الاعتداء على السفارة السعودية بإيران، وقد علق أحد الساسة الأوروبيين على الأمر قائلًا: كيف لحدث في سفارة دولة آسيوية في عاصمة آسيوية أن يتسبب في غلق سفارة دولة أسيوية في إفريقيا؟ معلقًاً على تأثير مشاكل دولتين آسيوتين على دولة  في قارة إفريقيا. 

بعد طي صفحة إيران، فتح الخليج العربي أبوابه على مصراعيها؛ لاستقبال السودان العائد إلى حضن العروبة، حيث كانت السعودية أكثرها ترحيبًا، حيث التزمت بتغطية النقص الذي يمكن أن تتعرض له خزينة السودان جراء قطعه العلاقة مع إيران، وقد شكلت عملية عاصفة الحزم في اليمن – التي أطلقتها السعودية – الفرصة المثالية للسودان؛ لإثبات كفره بإيران، حيث أيدها منذ انطلاقها، وشارك فيها بقوة، لدرجة إرساله لقوات برية تقاتل هناك. الأمر الذي قابلته السعودية بالمزيد من ضخ الأموال في الخزينة السودانية مع توجيه للمستثمر السعودي بضرورة توجه رؤوس أمواله صوب السودان، وقد نجحت مشاريع كثيرة – خاصة الزراعية منها – كالنجاح الكبير لمشروعات الراجحي في زراعة القمح، كذلك  الإسهام الواضح في رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان، حيث لعبت السعودية دور الوسيط بين الخرطوم وواشنطن بقيادتها الكثير من الوساطات التي أدت في النهاية لرفع الحظر الاقتصادي عن السودان بإخراج سعودي بامتياز؛ مما زاد من تعميق العلاقات بين الخرطوم والرياض، خاصة العسكرية منها، حيث وصل التنسيق العسكري السعودي السوداني لدرجة إقامة مناورات عسكرية جوية مشتركة بين البلدين في السودان. 

انضمام السودان كشريك إستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي، كان الخبر الأبرز الذي تداولته الأوساط السودانية في النصف الأول من هذا العام، حيث استطاع البشير أن يقيم علاقات ثنائية متينة بين الدول الخليجية من جهة، وعلاقات أخرى قوية بين مجلس التعاون الخليجي ككل، والناظر للأمر يجد استحالة اجتماع الدول الخليجية على الكثير من الأمور التي تتعلق بالسياسات الخارجية لتلك الدول، ولكن السودان استطاع أن يقيم علاقات قوية مع دولة مثل قطر، التي تختلف في وجهات النظر مع الإمارات، وفي نفس الوقت يحافظ على علاقاته مع الإمارات الطامحة لخلافة النفوذ السعودي؛ ليقابل السودان الأمر بعلاقة أقوى مع المملكة، وداخل المملكة، مع كل الأجنحة المتصارعة داخل بيت آل سعود. 

أما في الكويت: فما زالت تداعيات تأييد السودان لغزو صدام للإمارة تمثل قشة تقصم ظهر أي تقدم في العلاقات بين البلدين، مع أن السودان قد أثبت حسن نيته، عندما شارك بقوات برية لتأمين التراب الكويتي في حرب الخليج الثانية؛ لترد الكويت التحية بصندوق مالي كبير ساهم في إعمار شرق السودان عرفانًا بتفاني الجنود السودانيين في أراضيها، والذين رفضوا أخد ساعات الرولكس الذهبية، وأظرف المال المليئة بالدولارات، مانحين أمراء الكويت درسًا مجانيًا في أداء الواجب، ولسان حالهم يقول: نحن لسنا مرتزقة، نحن نقاتل من أجل قضية.

تقف علاقة السودان بمصر عاملًا قويًا ينعكس سلبًا أو إيجابًا على علاقته بدول الخليج العربي؛ فدولة الإمارات العربية أيدت الانقلاب العسكري الذي قاده المشير السيسي، ووقفت إلى جانبه بكل ما أوتيت من قوة؛ حتى أكسبته الصبغة الشرعية عن طريق إقامة انتخابات فاز فيها السيسي، وأصبغ على نفسه صفة رئيس الجمهورية. أما دولة قطر فلم تخفِ منذ البداية انحيازها لجانب حكومة الرئيس مرسي بقيادة الإخوان المسلمين، حيث قدمت لها سندًا ودعمًا قويًا، حتى بعد زوالها، حيث قامت بإيواء الكثير من قياداتها، وشيوخها الذين سبقهم إليها الشيخ يوسف القرضاوي. وعلى النقيض، ظلت علاقة السعودية بمصر متأرجحة في كثير من الأحيان؛ حيث تحكمها المصالح التي حولت العلاقة بين الدولتين إلى تقارب وصل حد توقيع اتفاقية إقامة جسر رابط بينهما؛ مما عزز الامر أيضًا منح السيسي جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، قبل أن تعود العلاقات لحالة من الجفاء مرة أخرى، بسبب أزمة النفط، وموقف القاهرة الغامض من الحرب في اليمن، إلا أننا نجد أن علاقة السودان بهذه الدول الخليجية لم تتأثر بعلاقته مع جارته مصر والمشاكل بينهما، حيث جمع السودان حوله كل الدول  الخليجية الداعمة لمصر، والأخرى التي تناصبتها العداء، في ترجمة واضحة لسياسات البشير الخارجية التي تحركها المصالح السودانية فقط. 

علي الرغم من كثرة المشاكل التي واجهها السودان على مدار الثلاثة عقود الماضية، والحصار الاقتصادي الذي ضربته عليه الحكومات الأمريكية المتعاقبة، إلا أن البشير قد حافظ على شعرة معاوية في العلاقات بين السودان والكثير من الدول، لا سيما دول الاتحاد الأوروبي التي انحازت إلى جانب الولايات المتحدة في حصارها الاقتصادي للسودان؛ ليقابل السودان هذا الأمر، بالاتجاه إلى المعسكر الشرقي عن طريق تقوية علاقاته مع روسيا، ولكنه لم يعمق علاقاته مع موسكو؛ رغبة منه في الإبقاء على علاقات متوازنة مع الدول الأوروبية من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الخليجييين من جهة أخرى، الأمر الذي يعد جمعًا بين الماء والنار: الماء المتمثل في علاقة السوادن بدول الخليج الغنية، والنار المتمثل في علاقة السودان بأمريكا التي تحكمها علاقته بإسرائيل ودعم السودان للحق الفلسطيني، مع رفضه الاعتراف بإسرائيل كدولة، الأمر الذي أضر كثيرًا بعلاقات السودان الخارجية، والمضحك المبكي أن السلطات الفلسطينية تقيم علاقات معلنة مع إسرائيل، وبينهما اتفاقيات أمنية موقعة، تقوم بموجبها حكومة فلسطين بالقبض على فلسطينين مصنفين في إسرائيل كإرهابيين، وتسلمهم للسلطات الإسرائيلية؛ لتسجنهم وتقتلهم، ومن ثم تنادي لاحقًا بالإفراج عن نفس الأسرى، وتتباكى على معاناتهم! اما السودان فلم ينله من تصدر الموقف العربي  ولعبه دور العربي الشهم، إلا مزيد من الجفاء مع المجتمع الدولي. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد