أزمة السيسي في التعامل مع الثورة السودانية

يواجه النظام المصري بقيادة عبدالفتاح السيسي أزمة عميقة منذ اندلاع الثورة بدولة السودان التي تقع على حدود مصر الجنوبية، فتعتبر السودان بالنسبة لمصر جزءًا رئيسيًا من أمنها القومي لارتباطها بعدة قضايا رئيسية أهمها نهر النيل وأزمته المستمرة منذ سنوات فيما يتعلق بالسد الإثيوبي والمعروف بسد النهضة، منذ اندلاع الثورة في دولة السودان يعاني النظام المصري من أزمة ثقة ومصداقية لدى قوى المعارضة المطالبة بتسليم السلطة لحكومة مدنية وأبعاد المجلس العسكري من حكم البلاد، هنا يمكننا التفكير كقوى معارضة مدنية حول الكيفية للاستفادة من تلك الأزمة في مواجهتنا للنظام المصري الذي لا يحظى بأي احترام لدى قوى المعارضة السوادنية.

تتداخل قضية الثورة السودانية والتي لم تكتمل حتى الآن بالاختلاط بين القوى الدينية ذات المرجعية الإسلامية وحكم المؤسسة العسكرية الناتج عن حكم عمر البشير، مرت المعارضة السوادنية بمراحل عديدة في مواجهة حكم البشير أو ما يسمونه نظام الإنقاذ بالعديد من المنعطفات بين تحالف تارة أو فشل تارة أخرى ولكنها في النهاية استطاعت الإطاحة برأس النظام فقط ولا زالت تقاوم النظام ذاته، تختلط القضية هنا لدى قوى المعارضة المصرية المدنية بخلفيتها التاريخية بربط حكم الإخوان بما ارتكبه من خطايا سياسية ثم الإطاحة بهم في يونيو 2013 من جانب وبين حكم عمر البشير باعتباره صورة أو امتدادًا لحكم الإخوان في السودان من الجانب الآخر.

دوافع دور جماعة الإخوان وتفسيره

تتطلب قضية الثورة السوادنية عند طرحها على طاولة المعارضة المصرية المدنية إعادة النظر في كيفية التعامل حول مستقبل السلطة في السودان، خاصة أن جماعة الإخوان المسلمين تقوم بتصوير الأمر على أن عمر البشير حاكم عسكري جاء بانقلاب بعيدًا عنهم والمجلس العسكري تولى حكم البلاد بعده، ذلك على غرار ما تم في يناير 2011 مع مبارك ومجلسه العسكري الذي تولى حكم البلاد بعده حتى أجرى انتخابات 2012، كما تستكمل جماعة الإخوان المسلمين في تناقض عجيب أن القوى المدنية التي تقود الثورة السوادنية الآن بأنها تخاف المواجهة الانتخابية لأنه من المفترض أن التيارات الإسلامية سوف تكون لها الغلبة في الانتخابات أيًا ما كانت.

ستواجه قوى المعارضة المصرية المدنية عند مخاطبة قادة الثورة السوادنية خلطًا للأوراق والملفات شديدة الالتباس، وخاصة أن هناك إعلان مواقف متبانية ومتعارضة في أحيان كثيرة من التيارات الإسلامية التي أعلنت عن مواقف تارة في صف الثورة وتارة أخرى ضدها تمامًا، أيضًا يجب الإشارة هنا إلى أن التيارات الإسلامية قد واجهت بعض المواقف العصيبة مع نظام البشير حينما انقلب عليهم واستفرد بالحكم كما يزيد هذا التوجس لديهم ما حدث من قبل مصر السيسي تجاه الإخوان في مصر.

قيادة الثورة السوادنية بدأت بدعوة من تجمع المهنيين السوادنيين وهو تجمع معارض بدأ سريًا، جاء نتيجة للتدخلات الأمنية في عهد البشير في العمل النقابي وأخفى أسماء قياداته نتيجة للملاحقات الأمنية المتتالية والمعتادة، استطاع التجمع أن يحظى بثقة السوادنيين بعد المواجهة الشجاعة التي خاضها ضد حكم البشير منذ سبتمبر الماضي وحتى الآن، واستطاع أن يحظى بدعم من قوى معارضة أخرى وقعت على الوثيقة التي طرحها على الرأى العام السوادني، اندرجت جميعها بعد ذلك فيما يعرف بإعلان الحرية والتغيير وشملت قوى المعارضة المدنية السلمية مع بعض الحركات المسلحة المناوئة لحكم البشير.

كيف تقرأ المشهد السوادني الحالي؟

ازدادت الثورة السودانية تعقيدًا بعد فض اعتصام القيادة العامة بالقوة بل أعاد للأذهان لدى الرأي العام السوادني والعالمي مذابح دارفور من قبل ميليشات الجنجويد فيما يعرف الآن بقوات الدعم السريع، أيضًا إعلان قوى الحرية والتغيير إيقاف المفاوضات غير المجدية مع المجلس العسكري حول تسليم السلطة أو المشاركة فيها مع القوى المدنية القائدة للثورة، ازداد موقف المعارضة صلابة مع إعلان حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق بتأييد المعارضة (هناك اتهامات للحزب بالتواطؤ مع المجلس العسكري)، أيضًا بعض التيارات الإسلامية أعلنت مطالبتها ببدء تحقيق لكنها لا زالت تميز نفسها عن قوى الحرية والتغيير، بل وتتهمهم بأنهم يسعون لبناء ديكتاتورية بديلة للعسكر.

موقف حكومة السيسي يأتي من جانبين الأول تخفيف الضغط على المجلس العسكري تمهيدًا للخطة المعروفة بتسليم السلطة لديكتاتور عسكري جديد وهو الأمر الذي يفطن له قادة الثورة السوادنية جيدًا ولا مانع أن يحظى ببعض التأييد الشعبي لكن الأهم أن يكون مواليًا لمصر، الجانب الثاني هو رفض السيسي التعامل مع نائب المجلس العسكري حميدتي قائد قوات الدعم السريع وهو قائد مليشيات الجنجويد سابقًا استطاع البشير تطويعه ودمجه مع القوات المسلحة السوادنية لكن بقيادة سلاح مواز.

ترى المعارضة السوادنية القائدة للثورة أن الجانب الأول هو أمر سلبي تمامًا وترفضه بل وتزيد عليه التدخل الخليجي المتمثل في الإمارات والسعودية، ذلك المحور الذي هو النقطة الأهم والأبرز في خطاب جماعة الإخوان المسلمين في استدعاء مخل للموقف بالمكارثية الإخوابية بعد يونيو 2013، الأمر الذي تجده محور اهتمام الإعلام المحسوب على جماعة الإخوان وشبكة الجزيرة ومناقشته من كافة الجوانب والزوايا التي من الممكن أن يطرح من خلالها إقناع أنصارهم أنهم ضحية خداع العسكر والدولة العميقة.

أما الجانب الثاني بالنسبة للمعارضة هو إيجابي، حيث يفقد حميدتي القائد العسكري الطامع في وراثة حكم سلفه الدعم الذي من الممكن أن تقدمه حكومة السيسي، خاصة إن آجلاً أو عاجلاً لن يستطيع السيسي ونظامه إلا التعامل مع المسيطر على الحكم بالسودان، أن تسريب المعلومات الخاصة بتعامل السيسي مع حميدتي من حيث الاحتقار وتفضيل السيسي التعامل مع الجيش السوداني في اطار تصور أنه يحمي العمود الفقري للدولة السوادنية هو عمل مخابراتي بامتياز، يستدعي التعامل معه بحذر وخاصة أن الصورة والمعلومات ليست كاملة بالإضافة إلى أنه هناك حالة من السيولة تجاه ترسيخ هذا التصور والفهم.

نقاط هامة قبل ممارسة الدور المطلوب للمعارضة المصرية المدنية

مبدئيًا يجب التوقف عن الحديث المستهلك حول إن مصر والسودان بلد أو وطن واحد حيث إن الانطباع يستدعي للذاكرة السوادنية مشاركة مصر الاستعمار الإنجليزي حكم السودان مما يوصف هذا الطرح بأنه استعماري أو رغبة في عودة الاستعمار المصري مما للكلمة من أثر سلبي في الأذهان، بطبيعة الحال هناك وحدويين في السودان لديهم أحزاب رئيسية في الثورة السودانية لكن قضية الوحدة مع مصر ليست محل إجماع أو مطروحة على الرأي العام السوداني.

أيضًا من المهم معرفة مكونات القيادة للثورة السوادنية والتعامل بحرص شديد وخاصة أنها تتضمن مكونات مسلحة كانت في الماضي القريب تدعو للانفصال بالقوة، بالتالي استخدام البيانات الصحفية وإعلان المواقف لدى قوى المعارضة في مصر يجب أن يشمل الفهم المركب لدى الفصائل والقوى السودانية، هنا يجب أن تستفيد قوى المعارضة المصرية ببعض الخبرات القديمة والتي تحظى بثقة لدى السوادنيين خاصة لدى الأحزاب القديمة المصرية ومراكز الدراسات والدوريات التي كتبت في السابق عن السودان، أيضًا يجب الحذر من الاعتماد على الأخبار المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتكوين صورة دقيقة للوضع في السودان، بل إن المؤكد أن الصورة ستكون مخلة.

سيشمل التعامل أيضًا الدور الإثيوبي فلم تكن رئاسة الوزراء الاثيوبية دورًا نزيهًا أو داعمًا للثورة لمجرد تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، بامتداد الخط على استقامته لا يجب النظر إلى الأخبار المتداولة بخصوص تجميد العضوية على أنها انتصار أو هزيمة للمجلس العسكري فهو انتصار زائف ولنا في موقف مصر نموذج انتهى برئاستها للاتحاد الأفريقي الآن، أيضًا التحقيق في المعلومات والأخبار المتداولة من وسائل الإعلام القريبة من شبكة الجزيرة وجماعة الإخوان لما لديها من لبس يصل لدرجة التعمد في خلط الأوراق وإرباك المشهد بعيدًا عن محتواه الحقيقي أو تصوير موقف يتماشى مع تصوراتهم المتأثرة جدًا بما حدث في يونيو 2013 بمصر، إن النظر للدور الإثيوبي يأتي في سياق البحث عن موضع قدم داخل الدولة السودانية بعد البشير فيما يتعلق بأزمة نهر النيل التي بين إثيوبيا والسودان ومصر، فرئيس الوزراء الإثيوبي جاء لمعرفة موقف الطرفين وهنا يجب العلم أن الطرف الأقوى هو المجلس العسكري السوداني، حيث إنه يعتبر وراث الدور الذي لعب مع إثيوبيا أخيرًا ضد مصر فيما يخص مفاوضات السد.

دور المعارضة المصرية المدنية لدعم الثورة السوادنية

من الممكن أن تبدأ بفتح قنوات تواصل مع قيادات المعارضة وخاصة أن وسائل الإعلام الحديثة سهلت هذا الأمر للبدء بتأسيس قنوات دائمة ومستدامة، يستكمل هذا الدور بمناقشة وضع استراتيجة مناصرة لدى الرأي العام المصري وحول الدور المطلوب للمعارضة المصرية في تصور قيادات المعارضة السودانية، فإن لم يكن لديهم تصور فالبدء فورًا في وضع التصور وخاصة أن قوى المعارضة المصرية لديها خبرات متنوعة وخاصة القانونية والقضائية كمثال لتوثيق الجرائم والانتهاكات أو الدعوة للمحاسبة والمسائلة للمجرمين المتورطين في جرائم الثورة السودانية.

البحث عن سبل دعم على المستويات التنظيمية تمهيدًا لأي انتخابات قادمة باعتبارها الخطة البديلة في مواجهة العسكر بالاتفاق على قوائم انتخابية موحدة ومرشح رئاسي ممثل للثورة وتفادي الخطأ المصري الاستراتيجي أثناء ثورة يناير، هذه النقطة يجب التركيز عليها خاصة أنها مبرر الإسلاميين لرفض التعاون مع  قوى المعارضة السودانية باعتبارهم يخشون المواجهة الشعبية والجماهيرية، تتضمن خطة التعامل طرح القضايا الرئيسية مثل الدستور وإدارة المرحلة الانتقالية سواء تحت حكم العسكر أو إجراء الانتخابات المعلنة من قبل المجلس العسكري باعتبارها مرحلة انتقالية لتحول ديمقراطي حقيقي، ضرورة إبراز دور المال السياسي وفضحه لدى الرأي العام وخاصة القادم من الخليج للقوى السياسية الإسلامية وعدم مسك العصا من المنتصف كما حدث في قضية التمويل الأجنبي في مصر بعد أن فضح تقرير نيابة أمن الدولة العليا أن أغلبية الجميعات الممولة كانت من مصادر خليجية لمنظمات مرتبطة بالتيارات الدينية التي لعبت دورًا سياسيًا بعد ثورة يناير 2011.

أعتقد أن الفائدة المتمثلة في نجاح المدنيين في السودان في استلام السلطة ونجاحهم سيكون نموذجًا جماهيريًا وشعبيًا يمكن تسويقه لمواجهة الأنظمة الشمولية العسكرية التي تحكم بلادًا مثل مصر وسوريا والجزائر واليمن، أيضًا سيفقد نظام السيسي أحد مصادر قوته والتي كانت متمثلة أخيرًا في حكم البشير ومجلسه العسكري والذي تم تسويقه على أنه دور مصري مهم في الملف السوداني أو مؤثر في رسم خريطة السلطة في السودان، أيضًا إقامة نظام ديمقراطي حر على حدود مصر سيكون له أثر بالغ في إضعاف سلطة حكم السيسي وتنذر بزوال حكمه وخاصة حال أي تحرك جماهيري سيكون لدولة السودان إن كتب بأن أصبحت دولة ديمقراطية حرة دورًا رئيسيًا في دعم إقامة أي نظام حر في مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد