انطفأ نُورُ الشمسِ في سماء سوريا، وغابَ ضياءُ القمر في أفقِ القاهرة، وخَفَتَ نجمُ الأملِ في تونس، واشْتَعلتْ فتائِل الفتْنة في اليمن، ولا زالَ العراق ينزفُ دمًا وألمًا، فما انْدملت الجراح بَعد، فهل يَسْلم السودان من تهاوي حبّات العقد الذي انْفرط؟

ما جَفّتْ منابعُ المُقل من الدموع بَعد، وما سَكَت أنِينُ الحُزن في الفؤاد بعد، وما سَكَنَ وَجِيبُ الألم بعد؛ على الذين قُتِّلوا بدمِ باردِ في ليالٍ باردة؛ لكنها لم تكن أشد برودة من الدماء التي سَرَتْ في عروق الخونة والجُبناء!

فالقهر في قلوبِ الأمّهات ما زال ينتفضُ غضبًا، والغَيظُ في دماء الآباء ما زال يَسْتَعِرُ لهبًا، والأرضُ ما زالت تنبض بنبض عروقهم الحرّة، تقول لهم تعالوا؛ حضني أوسع لكم من ظهري، تعالوا دفء قلبي يدثُر غربَتَكم، ولهْفةُ رُوحي تُزمّل وَحْشَتَكُم.

أولاد الثورة؛ هم أبناءُ الأوطان في كل زمان ومكان، هم قمح الحقول، وسواعد الوطن، هم الإباء، هُم بِذارُ تُرب الأرضِ.. وها هم في السٌودان بَدَوًا كَقَبَسٍ بارق يشُق عتمات الليل الطويل الطويل.

ما إن اشتعلت الثورة في السّودان إلّا وانطلقت نحوَهُم أبصار الأحرار في العالم؛ ترمقهم بعين الدعاء والرعاية والرجاء، وما إن تَبَدًّتْ صورة الثّوار في الساحات هاتِفِين (كرامة)، مُنَادين (حريّة)، مندِّدِين بالظلم والطغيان والاستبداد؛ إلّا وازّدحمت الذاكرة بمشاهد ليست عابرة، وبصورٍٍ لم ترسُمها ريشةُ فنّان ولم تُلوِنها ألوان الباستيل؛ كانت صورًا أشبه بالصور السّرياليّة الّتي تحتاج لوقتٍ طويلٍ حتى يُكتَشَفُ سِرُها وتحتاج لعقلٍ مجنون يفك طلاسم إبداعها، تلك الصور كانت مليئة بالألغازِ والأسئلة والقهر والدموع؛ صورًا لَوَّنَتْها دِماءُ الجُثثِ المُمتدَّة على الأرصفة، وزَيَّنتْها ابتساماتُ الشهداء على الشفاه.

وبالرغم من هذا كله؛ ها هي شوارع السّودان تمتليء بالأحرار، الرّافضين للاستبداد السلطويّ، واللافظين للذلّ والقهر والانصياع لحاكم ما تَعَلَّم من تجارب أقرانه، وما فَهِمَ الدّرسَ كما فهمه زين العابدين من قبله!
إنّ الخوفَ من الثّورات المضادة لن يمنع تكرار التجربة، لأن العيش بكرامة مطلب أساسيّ لا ترف مظهري، ولأن العَدلِ حاجةٌ نفسيّة ومطلبٌ اجتماعيٌ، وضرورة مُلِحَّة.

إن الّثورات على مر التاريخ ما حدث أن انبثقت عن مرجعيّة استرايجيّة أو أيدلوجيّة فكريّة مؤطّرة وممنهجة، أو خطط تكتيكيّة مؤَدلجة، ما الثّورات الشّعبيّة إلاّ سلوك مفاجيء يحدث في فترة زمنية محددة سريعة وقصيرة في الغالب، لأسباب سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، تُطالب بإحداث تغيير جذري لتحسين الأوضاع المعيشيّة على مستوى الأفراد والمجتمعات والأمم.

ومن يتتبع قوانين الثورات ومحركاتها الدّافعة من خلال دراستها عبر التاريخ؛ يُدرك تمامًا أن الثورات الشعبيّة ما هي إلا تحركات عفويّة عاطفيّة عشوائية غير منظمة أو منتظمة، تبدأ بصوت واحد رافض أو عدة أصوات محدودة، وسرعان ما تتنامى تلك الأصوات وتتعالى وتزداد وتِيرَتُها وَوترتفع حِدّتها من خلال الدافع النفسي والسلوك الجمعي، فإن قُدَّرَ أنْ حافظت هذه الثورات على ديمومتها وصلابتها؛ استطاعت حينئذٍ مقاومة الثورات المضادة ونجحت وانتصرت على الاستبداد؛ وأما إن كانت هشّة ضعيفة البنيان؛ انكسرت وتهشّمت وفشلت في تحقيق مرادها ومنالها.
فهل ينجح الشعب السوداني في إحكام السيطرة على مفاصل الثورة، وعدم السماح للمتآمرين سواء من الداخل أو الخارج في الالتفاف على الثورة الشعبية وقلب موازين اللعبة لصالح المتربصين!

حقيقة، إن الجواب على هذا السؤال ليس بالأمر السهل أبدًا، واستشراف المستقبل من خلال قراءة وتيرة أحداث التاريخ في الثوراث المشابهة؛ لا يحسم المسألة بشكل قاطع، خصوصًا في وجود عوامل شائكة ومتشعبة يتحكم فيها السّياق والمشهد السياسي الذي يفرض نفسه على أرض الواقع.

إن طموح الحراك الشعبي لن ينفع معه العمل بارتجالية مجردة وإنّ بدأ به! إنما يحتاج إلى تكتيكات واستراتيجة لتميكن الثورة وتحويلها من سلوك عاطفي غير منظم في مراحله الأولى إلى ثورة ممنْهجة منضبطة تتحرك ضمن منظومة خطوات مدروسة بدقة بالغة؛ كي تحصد ثمارها وتؤتي حصادها على الوجه المطلوب.

وبالرغم من أن دَورة حياة الثورات عبر الأزمان تتشابه في الهيكلية العامة؛ إلا أنها تختلف في جزئياتها الخاصة من بلد إلى بلد ومن زمن إلى زمن ومن سياق اجتماعي إلى سياق اجتماعي آخر، وانطلاقًا من هذا المبدأ يتحتم على من اختار لنفسه التصدر والتّقدُم؛ محاولة موازنة المعادلة من حيث المعطيات والمخرجات، والتعامل مع الأزمة دون تهويل أو تهوين!

فدراسة التجارب المشابهة عبر التاريخ لا يعني بالضرورة الخروج بديباجة معيارية يصح تطبيقها على وضع معين، وكذلك دراسة جزئيات وضع راهن والخروج بضابط معياري لا يعني بالضرورة سلامة هذه الضوابط من العيوب والمثالب.

وفي المشهد السوداني اليوم كل المعطيات تشير إلى أن الثورة تسير في مسارها الصحيح ظاهريًا، ولا يمكن التنبؤ بشيء قبل أن تتضح ملامح الصورة تمامًا، والاستعجال في الحكم على المشهد دون الانتظار والترقب ليس من التعقل أبدًا.

وما يصح قوله في هذا المقام أن صيرورة الأمور في السودان لا بد أن تتحرك في اتجاهات عديدة متوازية لتحقق أهدافها أحَدُها؛ إحكام القَبضَة على الثّورة، وعدم تركها تَتَفَلّت أو تُسْتَلبْ من أيدي الثّوار، والتصرف بحكمة مدروسة من خلال استقراء منهجي دقيق للوضع وسياقاته الآنية، ووضع خطط تكتيكية واستراتيجية مستقبليّة تُنَفّذ تدريجيًّا عبْر مراحل تمهيديّة ومتقدّمة، فضلًا عن عزل وإقْصاء كل القوى التابعة للسلطة السابقة دون تفنيد أو تصنيف، لا سيّما الاستفادة من أخطاء تجارب الثورات في البلدان الشقيقة، وليس آخرها اتخاذ القرارت الجريئة والتحرك السريع ضمن القدرات والإمكانيّات المتاحة.

إنّ ثورة الغلابة في السودان، هي ثورتنا جميعًا، تتحرك قلوبنا بتحركاتهم الشعبية، وتننشي مشاعرنا لفرحتهم وابتسامات، فمآذن الشام الجريحة ومساجد القاهرة وبغداد وصنعاء تدعو لهم بالرغم من جراحاتهم النازفة.. بالرغم من هذا كله يهتفون بصوت واحد سينصر الله هذا الدين ولو بعد حين.

فاللهم احفظ السودان وجميع بلاد المسلمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد