الثورات يصنعها الشجعان ويجني ثمارها الجبناء، مقولة تُجسد المعنى العميق لتضحية صُناع الثورات وتكالب المتسلقين عليها بعد نجاحها للظفر بمنافعها، عندما قامت ثورتُنا المجيدة كان قومها في البدء الشباب ثم ما لِبث أن انضم لركبها مختلف فئات المجتمع من أطفال ونساء وفتيات تكبدن المشاق وكبار السن الذين أرادوا ترك بصمة لهم ولعب ماتش اعتزالي قبل أن تحلق أرواحهم في ملكوت الله.

كل شيء جميل في البدايات فالحب بدايته شوق ولهفة، وكذلك الثورة المجيدة هذه كانت بدايتها شوق إلى سودان جديد يتوحد فيه الجميع، كان القوام الأولي للثورة ثوار الأحياء الذين كانو منظمين إلى حدٍ ما، وهم كانوا الرافد الرئيسي للمواكب التي كان يدعو لها تجمع المهنيين السودانيين، إلا أن هؤلاء الشباب لم تكن لهم الخبرة السياسية الكافية وبُعد النظر الذي يمكنهم من التفكير في ما بعد نجاح الثورة، حيث كانت مسائل مثل تنظيم المواكب والتصدي للقوات الأمنية وابتكار طرق جديدة لممارسة السلمية الثورية تشغل جُل تفكيرهم، لذلك لم نر لهم وجودًا في هياكل السلطة الانتقإلىة التي تشكلت نتيجة لتضحياتهم.

حسب التركيبة النفسية للعسكريبن وطريقة تفكيرهم العسكرية، فإنهم جُبلوا على حُب الترقي وتقلد المناصب وتسلق سلم الرُتب، وهي تُعتبر أسمى مكافأة يمكن أن تُمنح لهم، عند اشتعال الثورة كان معظم قادة الجيش الحإلىين يشغلون مناصب لا ترقى لحجم المسؤليات التي ألقيت عليهم الآن، حيث كانو يُعتبرون من قادة الصف الثاني إذا افترضنا أن قادة الصف الأول هم القائد العام، وهو رئيس الجمهورية نفسه ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان، لذلك وجد هؤلاء العسكريون في هذه الثورة قطار سريع يوفر عليهم عناء الانتظار سنوات قادمات ليصلو لما وصلوا إليه الآن، ففي شهور فقط أُطيح بقادة الصف الأول كلهم ليفسحوا المجال لمن تحتهم للترقي والوصول إلى هرم السُلطة داخل الجيش السوداني والذي يؤهلم ليكونوا قادة سياسيين للسودان في ظل الفراغ الدستوري الذي حدث بعد سقوط النظام السابق.

لذلك أول المستفيدين من نجاح الثورة كان هؤلاء العسكريين، حيث صاروا إلىوم هم أقدم القيادات العسكرية العليا في البلاد بعد الإطاحة بأقدم فريق أول في الجيش السوداني، والذي كان يشغل منصب رئيس الأركان ليخلفه في رتبة الفريق أول رئيس مجلس السيادة ونائبه والذين لا تفصلهم سوى ترقية واحدة ليحملوا على أكتافهم أعلى رتبة عسكرية في السودان، والتي تُمنح حسب الأعراف العسكرية لمن خاض حربًا وانتصر فيها!

تُشكل أحزاب المعارضة الرابح الأكبر من تغيير أي نظام حُكم كانت تُعارضه، وفي كل الأحوال لا يمكن أن تجتمع السياسة والصدق في قلب رجلٍ واحد، لذلك ستسعى هذه الأحزاب للتسويق لنفسها باعتبارها البديل المثالى والوريث الشرعي لحكم البلاد استنادًا إلى تاريخها الطويل في معارضة النظام السابق وستظهر في البداية وتتجلى في صورة المسيح المخلص حاملة عصا موسى التي تحل جميع المشاكل، لذلك تُعتبر هذه الأحزاب هي ثاني مستفيد من هذه الثورة خاصة أحزاب التيار الليبرإلى وإلىساري، والتي وجدت أرضية جاهزة تبنى عليها بعد فشل تجربة الإسلام السياسي في السودان ممثلة في حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ونظيراتها من أحزاب تيار الإسلام السياسي وإلىمين.

كما جرت العادة منذ فجر الاستقلال وإلى إلىوم يسعى بيتين كبيرين في السودان على احتكار العملية السياسية استنادًا إلى الشرعية التي يوفرها لهم الغطاء الديني الذي يتدثرون به، فالاسرة الميرغنية تستند علي نسب مشكوك فيه للنبي محمد وتتخده غطاءً لتبرير فسادها وإثراءها من خيرات السودان وكذا الحال مع اسرة المهدي «المتمهدي» الذي قاد ثورة شعبية أفضت إلى طرد الأتراك من السودان مستفيدًا من مناخ ديني وشعبوي وفره له ادعاؤه أنه مُرسل من الله، وأنه المهدي الذي تنتظره البشرية ليخلصها من ظلم بني الإنسان، حتى أواخر أيام الحكومة السابقة كانت الأسرة الميرغنية مقربة من الرئيس المخلوع نِكاية في غريمتها التقليدية أسرة المهدي، أما أسرة المهدي فشاركت النظام السابق ردحًا من الزمن قبل أن تركب قطار الثورة ضامنةً لها مقعدًا في سودان ما بعد البشير، حيث سعى رئيس الوزراء السابق وسليل أسرة المهدي إلى التقرب من قادة المعارضة والحكومة على السواء وبتكتيك سياسي، قام بزرع ابنته في صفوف المعارضة بعد أن خسر كرته الرابح ممثلاً في ابنه اللواء عبدالرحمن والذي ظل مساعدًا للرئيس المخلوع حتى سقوطه.

وفي المُحصلة، فإن أمطار هذه الثورة تصب في آنية شخصيات وكيانات محددة، والتي ذكرتُها سابقًا هذا بالإضافة إلى التُجار ورجال الأعمال المنتفعين من الامتيازات والإعفاءات الضريبية الممنوحة لهم، والتي تتأثر غالبًا بتغير الأنظمة السياسية، أما الشهداء والكنداكات وشباب الثورة فلن يجدوا سوى الوعود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد