عطبرة والقضارف وأم درمان وسنار والخرطوم؛ مدن سودانية تشهد احتجاجات بسبب زيادة أسعار الخبز والوقود. تعاملت السلطات معها بعنف، مما أدى لسقوط قتلى وجرحى كما يؤكد النشطاء السودانيون. النشطاء، كذلك، أطلقوا على الاحتجاجات: انتفاضة، وثورة. لكن هل هي الأولى؟

الانتفاضة الواقعة حاليًا، والتي بدأت منذ أيام، ليست الأولى، فأرض الإله، كما سماها قدماء المصريين، رغم سماحة أهلها وسكونهم، دائمة الاضطراب، من عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بالحكم النوبي ودخول الإسلام ثم الحكم العثماني والتركي ثم المهدي، ثم تقلباتها في العصر الحديث.

الاستقلال الأول في العصر الحديث

في الأول من يناير 1956، أعلن الاستقلال الأول للسودان، بعد أن طالب البرلمان السوداني به، وتم جلاء القوات الإنجليزية والمصرية التي حكمت السودان منذ العام 1899، ورُفع العلم السوداني. لكن الخلافات الأيدولوجية حول الدستور، والتنمية، وقضية جنوب السودان شكلوا صراعًا جديدًا لم يُسفر عن أي توافق بين القوى المدنية لعدة سنوات، الأمر الذي أدى إلى سخط شعبي على إثره تدخل الجيش بقيادة الفريق إبراهيم عبود. وكان هذا الانقلاب الأول من إحدى عشرة محاولة انقلابية سيشهدها تاريخ السودان الحديث فيما بعد.

«لا معارضة اليوم».. الحكم العسكري

الحكم العسكري كما عهده التاريخ لا يقبل التفاهم أو المعارضة، في العام 1964 انطلق شباب الجامعات في تظاهرات حاشدة اعتراضًا على قتل زميلهم الطالب أحمد القرشي على يد الشرطة إثر إطلاق النار عليه خلال إحدى التجمعات الطلابية المعارضة لسياسات الدولة التي رأوا أنها تدلل الجنوبيين وتمنحهم المناصب القيادية، وفشلهم كذلك في التعامل مع المتمردين. اكتظت شوارع الخرطوم بالمتظاهرين المطالبين بتنحيه الفريق عن حكم البلاد، وتحول الأمر إلى عصيان مدني شامل. وبعد ست سنوات من حكم من حكم الفريق إبراهيم عبود، أعلن حل المجلس العسكري وأعلن استقالة حكومته، وحكم البلاد مجلس رئاسي يتكون من خمسة أعضاء.

عهد مدني جديد مليء بالاضطرابات

تم إجراء انتخابات عامة واحتدم الصراع مرة أخرى بين الأحزاب، وانقسمت الحركات السياسية، واحتد الصراع بينهم في البرلمان، فانقسم  حزب الأمة القومي إلى جناح الصادق المهدي وجناح الإمام الهادي المهدي، في حين أنتجت حركات أخرى وغابت عن مشهد تشكيل القرار كالشيوعيين واليساريين، لكن على صعيد آخر كانت الحكومة برئاسة محمد أحمد المحجوب، والذي استمر في منصبة لأربع سنوات، تتعاون مع سياسات عبدالناصر الخارجية في المنطقة، فاستضاف القمة العربية بعد النكسة.

في نوفمبر 1964 بدأت اضطرابات جديدة، من الناحية الأيدلوجية تقاتل الإخوان المسلمين والشيوعيين سياسيًا، حيث اتهم الإخوان أعضاء الحزب الشيوعي بالإساءة إلى الإسلام، ونشر الفكر الإلحادي، مما أدى إلى طرح القضية في البرلمان والتصويت بأغلبية على طرد أعضاء الحزب من البرلمان، وحظر نشاطه بمباركة من الصادق المهدي والذي ضغط على رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب ليقدم استقالته، حيث كان  الصادق قد بلغ العمر القانوني المطلوب لرئاسة الوزراء وكون وزارة ائتلافية مع الحزب الوطني الاتحادي، كان ذلك عام 1966.

وعلى صعيد آخر الراديكاليين الجنوبيين كانوا يطالبون بالاستقلال، والذي كانوا يسمونه غطاءً: حق تقرير المصير. آخرون كانوا يطالبون بعدم الانفصال، يقترحون أن الحل هو دولتان منفصلتان، شمالية وجنوبية، تحت قيادة جيش موحد -كونفدرالية- وتصاعد الخلاف ليتحول إلى حرب أهلية.

عودة الحكم العسكري.. انقلابان في عام واحد

في أبريل 1985 استولى الفريق جعفر محمد النميري على الحكم. وبشكل مفاجئ، وأثناء سفر النميري إلى الخارج، اندلعت تظاهرات تعترض على غلاء الأسعار، والتسعيرة الجديدة التي فرضتها الدولة، فيما سمي بتظاهرات السكر المر. أصدر الجيش بيانًا يعلن فيه تأييده للشعب في ظل أزمة سياسية بالغة التعقيد، ووضع أمني مترد، حسب وصفه، وقرر أن يستولي على السلطة لفترة انتقالية محددة، وأنه لن يستبدل نظامًا عسكريًا بآخر. وأعفى الجيش بقيادة الفريق عبدالرحمن سوار الذهب، النميري من منصبه وأعلن حالة الطوارئ.

بعد عام واحد تخلى سوار الذهب عن منصبة بوصفه قائدًا للمجلس العسكري الانتقالي، وأُجريت انتخابات عامة، فاز بها حزب الأمة الجديد بقيادة الصادق المهدي.

انقلاب الإسلاميين والانقلاب عليهم

تجميد العمل بأحكام الشريعة الإسلامية، هزائم متتابعة في جنوب السودان للقوات الحكومية، خمس حكومات ائتلافية، علاقة مضطربة بين حكومة المهدي والجيش، مما أدى لانقلاب عسكري في العام 1989 تحت اسم ثورة الإنقاذ الوطني على حكومة المهدي المنتخبة، ليتبين فيما بعد أن توجه الانقلابيين موال للجبهة الإسلامية تحت زعامة حسن الترابي بعد سبع سنوات قضاها في السجن، وعين عمر البشير رئيسًا للبلاد ورئيسًا للوزراء أيضًا. اتبع الترابي سياسة -وزير لخارجية السودان- لم تقبلها أمريكا، حيث رفض التدخل الأجنبي خاصة في الوقت الذي كانت المنطقة تعاني فيه اضطرابًا على إثر دخول العراق للكويت، فقامت الولايات المتحدة بمنع المعونة وقطع العلاقات، وزاد الطين بلة بأن أدرج السودان ضمن قوائم الدول الراعية للإرهاب. انقلب عمر البشير على حسن الترابي فأصبح الترابي معارضًا للحكومة، فاعتقل مرة أخرى عام 2004، بتهمة محاولة قلب نظام الحكم.
إلى الآن، لايزال البشير في سدة الحكم، رغم اتهامه بجرائم حرب ضد الإنسانية، وطلبات بتقديمة للمحاكمة، وملاحقته دوليًا لهذه الاتهامات، ولا يزال البشير عاقدًا النية على الترشح للرئاسة لفترة رئاسية جديدة تبدأ عام 2020.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد