هل ستشهد المنطقة تجربة سودانية ملهمة للآخرين؟

ليست الانتفاضة الأولى لشعب عربي، وليس الأولى للسودانيين، ولكنها قد تكون من أكثر التجارب حساسية وحاجة لاستلهام الدروس لكتابة تاريخ جديد لثورات الربيع العربي بعد صيف الثورات المضادة، وخريف الانقسامات، وشتاء التدخلات الدولية.

استطاع الشعب السوداني الحر وعبر الاحتجاجات السلمية والاعتصامات في ميادين العاصمة السودانية الخرطوم وبعض المدن الأخرى أن يفرض كلمته، وأن يحقق هدفه الذي أطلقه مع بداية الاحتجاجات التي أعقبت زيارة عمر حسن البشير الرئيس السوداني المخلوع للعاصمة السورية دمشق، ولقاءه ببشار الأسد رئيس النظام السوري المتورط بجرائم حرب بحق شعبه والمعزول عربيًا ودوليًا وشعبيًا.

الهدف السوداني كان واضحًا منذ البداية.. كلمتان فقط: #تسقط_بس

سيناريوهات السودان المتوقعة

السودان اليوم وبعد خلع الرئيس البشير أمام عدة سيناريوهات منها ما سلم منها وصارت خلف ظهره، ومنها ما ينتظره، ويجب الحذر من تكراره، مع الاحتفاظ بفارق الجغرافيا والطبيعة الشعبية.

إنّ وقوف الجيش السوداني في صف الشعب والثورة الشعبية ونداءات الحرية، وإلزامه للبشير بالتنحي والمساهمة بقلعه وخلعه عن الحكم يعني ارتياحًا كبيرًا من عدم تكرار أي من السيناريوهات السورية، أو اليمنية، أو الليبية، وحتى السيناريو العراقي، فإنّ تماسك القوة العسكرية من جهة مع خلع الرئيس وعدم الوقوف معه ضد الشعب يعني السلامة من تلك السيناريوهات.

أما ما بقي أمام السودانيين من السيناريوهات والتوقعات هو السيناريو المصري أو التونسي والذي تم فيهما ابتلاع الثورة وامتصاص صدمتها والانقلاب عليها، وهذا ما يجب الانتباه إليه من قبل الشعب السوداني الحر.. انتباهًا وحذرًا دون الاضطرار للإخلال بالعلاقة بين الشعب والقوات المسلحة، وذلك لتجنب مساوئ حدوث أي خلل داخل الدولة السودانية القادمة.

وقد لا يحمل البيان الانقلابي الذي ألقاه الفريق أول عوض بن عوف كل ما يبشر السودانيين وخاصة فيما يتعلق بمدة المرحلة الانتقالية والتي ستمتد إلى سنتين وهي مدة طويلة جدًا، وكذلك بالنسبة لحظر التجوال لمدة شهر وتطبيق حالة الطوارئ لثلاثة أشهر، والتلميح لإجراءات أمنية مشددة.

ولكن مع ذلك هناك شعاع أمل يمكن البناء عليه مع الحذر، والسعي المستمر من النخب المدنية والمثقفة السودانية ومن شخصيات لها ثقلها الاجتماعي للمساهمة في المرحلة الانتقالية، وعدم استفراد الحاكم العسكري بشؤون البلاد، والمشاركة بصياغة الدستور الجديد بعد أن تم تعطيل العمل بالدستور الحالي، وكذلك العمل على محاكمة رموز النظام السابق.

يجب أن يبقى السودانيون في اعتصاماتهم المفتوحة حتى بزوغ فجر واضح للمرحلة الانتقالية، والحذر كل الحذر من ترك مواقعهم، ولعلّ أصدق ما يُذكّر فيه السودانيون اليوم هو وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم للرماة في غزوة أحد، ألا يتركوا مواقعهم حتى لو انتصروا أو غنموا، فالمعتصمون اليوم في السودان هم الرماة الذين يحمون البلاد من أي التفاف غادر.

تحديات السودان القادمة

أمام السودان اليوم تحديات مهمة فيما يخص تركة البشير، فعلاقات النظام السابق وطيلة ثلاثة عقود مضت من حكم الطرف الواحد هي معقدة جدًا، فالسودان جزء من التحالف العربي الذي يحارب الحوثيين في اليمن، أحد أذرع إيران في المنطقة العربية، وفي الوقت نفسه امتازت العلاقات السودانية الروسية بالتطور والتقارب والتي وصلت لحد محاولة إنعاش مجرم الحرب بشار الأسد في سوريا، وكذلك فإنّ العلاقات السودانية التركية على الجانب العسكري علاقات ممتازة، وكذلك فالمحيط الأفريقي، وخاصة في الدول العربية يشهد تطورات لافتة، أحدثها: سقوط بوتفليقة ومعركة طرابلس في ليبيا.

على السودانيين اليوم أن يمارسوا أقوى درجات ضبط النفس والتروي في إحداث أي تغيير على السياسات الخارجية والتحالفات مع الإقليم والعالم، والتركيز على الإصلاحات الداخلية، وانتظار مبشرات خروج البشير من السلطة مما يفك الكثير من القيود الدولية على السودان.

ويجب أن يحافظ السودانيون على وحدة بلادهم والتركيز كل التركيز على بناء سودان جديد، لا مكان فيه لسلطة الأمر الواقع أو الرئيس حامل العصا.

فليفرح السودانيون لأنه لا مقامات طائفية على أرضهم، ولا يمر طريق القدس ولا طريق روما من أرضهم، وليس لهم حدود مع إسرائيل، وليس لديهم طائفة «كريمة» تقاتل بكل ثقلها مع رأس الحكم.

هل تحمل ثورة السودان بشريات للمنطقة؟

لا شكّ أنّ ثورة السودان ستكون ملهمة للشعوب العربية وشعوب العالم المضطهد للتغيير وإسقاط الأنظمة الفاسدة، وإنّ ثورات الربيع العربي أثبتت ولا زالت تثبت أنها قدر لا مفر منه، وأنّ حكومات الطغيان والظلم يجب أن تسقط وتحل مكانها حكومات تلبي طموحات الشعب وتحفظ حقوقه، وفي الوقت نفسه فإنّ على السودان مسؤولية كبرى كونها اليوم هي القدوة الجديدة للدول العربية للنهوض من جديد، وشعبها اليوم هو الملهم لشعوب بلدان الثورات العربية، وجيشها ـ إن صدق في وقوفه مع الثورة ـ هو الملهم أيضًا لجنرالات العرب وعساكرهم.

ما أريد أن ألفت الانتباه إليه أنّ نظام البشير كان قد باع جنوب السودان ليحافظ على سلطته، وفشل في البقاء في الحكم، وهي رسالة لمن باع الجولان ليبقى في كرسي الحكم في سورية بأنّ قدر الطغاة أن يسقطوا مهما قدموا من أوراق اعتماد للغرب والعالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد