استفاق الشارع السوداني اليوم على قرار أقل ما يمكن أن يوصف به أنه مفاجئ، إذ أصدر الرئيس البشير قرارًا بتعيين الفريق صلاح عبد الله الشهير بـ«قوش» مديرًا لجهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني، وهو المنصب الذي شغله الرجل لسنوات قبل أن يُقال منه في عام 2009.

ينتمي الفريق قوش إلى مدرسة الحركة الإسلامية، إذ ساعدته دراسته للهندسة أن يشارك في هندسة انقلاب الحركة الإسلامية في عام 1989، فقد شغل منصب رئيس جهاز الأمن والمخابرات الوطني، ثم أصبح مستشار الأمن القومي، ثم معتقلاً لدى جهاز الأمن بتهمة التخطيط لانقلاب ضد حكومة الرئيس البشير.

تعد «عودة قوش» كما سمى السودانيون القرار الرئاسي خطوة في اتجاه تغيير نهج الحزب الحاكم وطريقة إدارة الرئيس البشير للبلاد، إذ صرح البشير خلال مخاطبته لقاء جماهيريًّا بأنه في إطار خطته لمحاربة الفساد قد يلجأ إلى خطة بديلة إذا لم تأت خطته الحالية بنتائج إيجابية، كما يمكن أن يفهم من قرار إعادة تعيين قوش أن الحكومة بصدد اتخاذ المزيد من التدابير للسير في الخط الأمريكي من أجل رفع الحصار المفروض على البلاد ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، خاصة وأن الفريق قوش يعد حجر زاوية في مسألة العلاقات السودانية الأمريكية، إذ قاد تعاونًا وثيقًا مع الولايات المتحدة إبان رئاسته للجهاز تحت مسمى مكافحة الإرهاب.

ولفهم معادلة قوش لا بد من سبر أغوار الرجل الذي برع في مادة الرياضيات خلال دراسته للهندسة، فقد بقي قوش يدين بالولاء العميق لحاضنته الحركة الإسلامية وابنتها الشرعية حزب المؤتمر الوطني، وقد ظل الرجل رغم ما تعرض له من اعتقال واتهامات وإطاحة من مناصب رفيعة، متمسكًا بانتمائه مؤمنًا بالمبادئ ذاتها التي اعتنقها في بواكير عمله العام، فقد صرح بعد خروجه من الاعتقال في عام 2013 بأنه سيظل ابن المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية.

تعد شخصية قوش الغامضة والكتومة من أهم مميزات الرجل، إذ ساعدته خلفيته الأمنية ونشأته في العمل الاستخباراتي على أن تتسم شخصيته بالهدوء والتكتم الشديد، مما جعله موضع ثقة في نظر الرئيس، فقد ظل الرجل رغم حساسية المعلومات والملفات التي يمتلكها، التي تكفي ورقة واحدة منها لتغيير أصول اللعبة ومكان لاعبين كثيرين في هرم السلطة، ظل صامتًا ولم يبح بشيء رغم الاستفزازات التي تعرض لها، ومحاولات متكررة لدفعه إلى كشف ما بجعبته من أسرار.

وبالنظر إلى الوضع الراهن في السودان، وما يشهده من تقلبات وتردٍ في الاقتصاد مع فشل الحكومة في السيطرة على ارتفاع سعر الدولار مقابل العملة المحلية تعد «عودة قوش» مقدمة للكثير من التغييرات في السياسة السودانية، التي قد تشهد الكثير من المفاجآت في الفترة القادمة التي تسبق الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2020.

وهنالك الكثير من السيناريوهات المطروحة، من ضمنها سيناريو تعديل وزاري وشيك يطيح بالرؤوس الكبيرة للفساد، وأيضًا وضوح الرؤية فيما إذا كان الرئيس الحالي عمر البشير سيعيد ترشيح نفسه في الانتخابات القادمة، أم أنه سيدفع بشخصية من الحزب الحاكم أو الحركة الإسلامية أو الجيش لخوض السباق الانتخابي، كما يظل سيناريو رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مطروحًا أيضًا، إذ يعد الفريق قوش بمثابة رجل أمريكا في السودان فيما يخص ملف مكافحة الإرهاب، كما ينظر بعضهم إلى سيناريو يهدف إلى منح الرجل صلاحيات تخول له التدخل للقيام بإصلاح اقتصادي، خاصة إن للرجل خلفية اقتصادية وخبرة تراكمية اكتسبها من خلال عمله في مجال التجارة والاقتصاد والشركات العابرة للقارات، وذلك خلال فترة ابتعاده عن العمل العام.

وفي المحصلة، فإن الأيام القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت، إذ يتابع الشارع السوداني الأمر عن كثب، ولا يخلو الأمر من التندر، فقد وصف أحد المواطنين شعوره بقرار تعيين الفريق صلاح قوش مديرًا لجهاز الأمن مجددًا أنه يشعر بالأسى لضباط الأمن الذين قاموا باعتقال الرجل واحتحازه لدى اتهامه بمحاولة الانقلاب، ويتساءل عن مصيرهم بعد أن عاد الرجل مديرًا للجهاز مجددًا، وبصلاحيات أوسع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد