يعاني السودان من صراعات داخلية لسنين طويلة، أدت إلى تآكل أرضه من كل أطرافها، وللأسف العرب لم ينصروه، تأزمت أوضاعه الاقتصادية، والعرب لم يسعفوه، فدى أمنهم واستقرارهم بدم أبنائه، العرب لم يُقدروه، قبِل بأن يكون أداةً لنشر ثقافتهم ولغتهم في أفريقيا جنوب صحراء العرب لم يساعدوه، وهذه حقائق اتسمت بها العلاقات السودانية العربية عبر السنين، وانطلاقًا من هنا، يجوز لنا وصف العلاقة السودانية– العربية بأنها «علاقة حب من طرف واحد»، إذ إن السودان قدم وما زال يقدم التضحيات والتنازلات الجليلة، لأجل الحفاظ على هذه العلاقة، ومن دون أن يحصل منهم على أي مقابل.

على سبيل المثال لا الحصر، قتال جيشه إلى جانب الجيش المصري في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وقبوله بإنشاء السد العالي في مصر، والذي تسبب في تهجير أهل مدينة حلفا، ومحو تاريخها السوداني الأصيل، والأمثلة كثيرة، ولكن للأسف الشديد الأخوة في مصر لم يقدروا كل هذه التضحيات الجسام؛ بل على العكس قامت أجهزة إعلامهم بالنيل منه ليل نهار.

وبالطريقة نفسها نلاحظ اليوم أيضًا أن النظامين السعودي والإماراتي بأدواتهما الإعلامية وجيشهما الإلكتروني، بدأوا في الأخذ من السودان، متناسين أفضاله عليهم، وما يقدمه جنوده اليوم من تضحيات في حربهم العبثية في اليمن السعيد، ولكن للأسف الشديد كل هذه التضحيات ضرب بها عرض الحائط، ولم يقف هؤلاء إلى جانبه في مشاكله الاقتصادية الخانقة، والمتمثلة في ندرة الوقود، فضلًا عن انهيار عملته السريع أمام العملات الأجنبية.

وبالتأكيد فإن هذه المشاكل التي يعاني منها السودان معروفه لدى جميع الأنظمة العربية، ويعلمون أنه منذ أن انقسم إلى دولتين، وهو يعاني من مشاكل اقتصادية، وبمرور الأيام يزداد الوضع سوءًا، ولأن عرب زماننا لا يعرفون كيف يردون الجميل، بدلًا من تقديم الدعم له، وحل مشاكلة القائمة، يحاولون استخدام لغة التعالي والابتزاز، من أجل مواقف سياسية في اصطفافات إقليمية، ليس للسودان فيها ناقة ولا جمل، وأقصد بذلك الأزمة الخليجية– القطرية، بمعنى بينما السعودية والإمارات تضغط على السودان بسبب موقفه الحيادي، قطر هي الأخرى تحاول الشمات عليه بخذلان دول المقاطعة له، ولكن الخطأ في الأول والأخير يرجع إلى القرار الخاطئ الذي أخذته الخرطوم، والذي كان بناءً على قراءات ورهانات خاطئة قامت بها القيادة هناك.

والمتابع للتطورات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، يلاحظ التحولات الجيوساسية التي تشهدها، وبالطبع يرجع سبب هذه التحولات إلى صراع النفوذ الدائر فيها، وهذا الصراع نتج عنه حالة من الاستقطاب الحاد بين دول المنطقة، وفي ظل هذا الوضع التنافسي بين القوى الإقليمية، رجحت الخرطوم أن تتبع سياسية خارجية بعيدًا عن الاستقطابات التي تشهدها المنطقة.

ولكن بينما كانت تتبنى الخرطوم سياسة خارجية متزنة، بعيدة عن التجاذبات الإقليمية، كانت قد أعلنت قرار قطع علاقاتها مع إيران، وبالطبع هو قرار صائب، حتى استحسنته أوساط داخلية وخارجية، لأن الجميع على دراية بالخطر الذي تشكله سياسة إيران التوسيعة لأمن دول المنطقة واسقرارها، وبالتالي عد قرارًا صائبًا، ولكنه متعجل، ولأنه كان مطلبًا سعوديًّا عربيًّا، لم يتوان السودان في قبوله، دون أن يدرس تداعياته على أوضاعه السياسية والاقتصادية.

وإضافةً إلى ما سبق، أيضًا قرار مشاركة الخرطوم للتحالف العربي في اليمن، إذ يعد خطوة متناقضة مع مبادئه السياسية الخارجية، ولأن الطلب كان عربيًّا سعوديًّا بالانضمام للتحالف، لم يتردد أيضًا بإرسال النخبة من قواته لحماية أمن السعودية.

وتأسيسًا على ما سبق يمكننا القول إن السودان حكومةً وشعبًا، وعبر التاريخ لم يرفض أي طلب من أتى إليه من الأخوة العرب، ولكن للأسف الشديد كل ما فعله وقدمه السودان لهم، قابله نكران للجميل، ولكن السؤال هنا، ألم يحن الوقت كي يتعظ السودانيون من نموذج العراق الذي قدم وضحى من أجل العرب والعروبة.

ولكن من خلال الخطوات الأخيرة التي تتبعها الخرطوم في التوجه نحو محيطها الأفريقي، على سبيل المثال، دعم السودان لإثيوبيا في استخدام نصيبها من مياه النيل، يمكننا أن نستخلص منها أن الخرطوم بدأت بالفعل الابتعاد عن العرب، وفضلت أن تكون في رأس قائمة الأفارقة بدلًا من أن تكون في ذيل قائمة العرب، وينهي قصة الحب من الطرف الواحد، بعدم اكتراثها لأمن الدول العربية ومصالحها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات