ينتظر السودانيون بفارغ الصبر ميزانية حكومة الثورة، والتي يأملون أن تأتي ملبية لأهداف وطموحات ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، والتي تفجرت نتيجة لأوضاع معيشية قاسية عانى فيها الشعب السوداني الأمرين، ففي الوقت الذي يتفاءل فيه البعض بوجود خبراء اقتصاديين وماليين على مستوى عالٍ من الخبرة والدراية في طاقم حكومة الدكتور عبد الله حمدوك، لكن البعض الآخر يصف الوضع الاقتصادي السوداني بالمتأخر، ويحتاج لمراجعات هيكلية وبنيوية تتعلق بتخفيض الإنفاق الحكومي ودعم البنية التحتية الإقتصادية التي تسهم في زيادة الإنتاج.

الدكتور عبد الله حمدوك ووزير ماليته الدكتور إبراهيم البدوي تضاربت تصريحاتهم بشأن الموازنة العامة للبلاد، حيث صرح رئيس الوزراء في أول مؤتمر صحافي عند قدومه للسودان في أواخر شهر أغسطس (آب) المنصرم بعدم حاجة السودان لدعم خارجي مذكرًا بإمكانيات وموارد البلاد ومركزها المالي المتقدم في القارة، لكن سرعان ما عاد وأكد على حاجة البلاد لـ8 مليار دولار لتغطية نفقات الفترة الانتقالية، أما وزير المالية فصرح لوكالة «رويترز» عن حاجة البلاد لمبلغ 5 مليار دولار، لكنه أكد أن تصريحه لم يُنقل بالدقة المطلوبة، وينسب أيضًا تصريح لوزير المالية قال فيه إن أصدقاء السودان سيمولون موازنة السودان لهذا العام.

غير بعيد عن هذه التصريحات التحركات التي قام بها رئيس الوزراء والتي زار فيها عدد من الدول لبحث دعم موازنة البلاد، حيث زار رئيس الوزراء كلًا من الرياض، وباريس، وبروكسل، وواشنطن، وكان الجند الأبرز لهذه الزيارات دعم الفترة الانتقالية تمخض عن هذه الزيارات دعم محدود من فرنسا حوالي 60 مليون يورو، ومثلها من الاتحاد الأوروبي كما تحرك وزير المالية تحركات واسعة على مستوى البنك الدولي، وأسفرت هذه اللقاءات عن مشاركة واسعة في مؤتمر أصدقاء السودان الذي عقد خلال ديسمبر الجاري في الخرطوم بمشاركة 23 دولة ومؤسسات وبنوك دولية، حيث أكد البيان الختامي للمؤتمر دعم المشاركين المادي والفني للحكومة الانتقالية، لكن تم تأجيل مؤتمر المانحين حتى أبريل (نيسان) من العام القادم؛ مما يعني ضرورة اتخاذ حكومة حمدوك برفع الدعم عن السلع الرئيسة، مثل القمح، والوقود، والدواء، حيث سيرتفع سعر البنزين على أقل التقديرات لمبلغ 98 جنيه للتر الواحد؛ مما سيؤثر على أسعار السلع بصورة عامة في السوق السودانية.

ومع ارتفاع سقف توقعات الشارع السوداني بخصوص دعم المجتمع الدولي غرد الخبير الأمريكي بالمجلس الأطلسي مايكل هدسون، والذي عمل مساعدًا للمبعوث الأمريكي الخاص للسودان على حسابه في «تويتر»، منتقدًا سياسات رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك قائلًا: «أوقفوا التسرب من الخزينة العامة قبل طلب المساعدة»، وذكر أن على الحكومة الانتقالية اتخاذ تدابير أكثر جدية للتعامل مع الوضع الاقتصادي من خلال تخفيض الإنفاق العسكري، ودعم السلع ومحاربة الفساد، هذا التصريح والانتقاد اللاذع لم يكن الأول من هدسون؛ حيث كتب مقالًا قبل ذلك في موقع المجلس الأطلسي ذكر فيه أن الوقت لا زال مبكرًا لرفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأشار إلى أن السبب الرئيس هو هشاشة الوضع الانتقالي في البلاد، وأن إدارة ترامب تخشى من سيطرة الجيش على السلطة مستقبلًا حال رفعها للحظر عن السودان.  

استقبلت الأوساط السياسية في البلاد تصريحات هدسون بقلق بالغ حيث تطابقت مع تصريحات سابقة للبنك الدولي طالب فيها الخرطوم بإصلاحات  اقتصادية هيكلية برفع الدعم الحكومي عن السلع الأمر الذي يثير تساؤلات عن مدى تقبل الشارع للفكرة من الأساس، ومما يعقد مهمة الطاقم الاقتصادي للفترة الانتقالية في موازنة هذا العام مشاكل متجذرة ومتعددة أبرزها:

1. انخفاض إيرادات الخزانة العامة من الضرائب والجمارك والرسوم الحكومية الأخرى في الربع الأخير من العام 2019 بنسبة 40٪؛ وذلك بسبب الاضطرابات السياسية التي تشهدها البلاد، الأمر الذي سيسبب ارتباكًا في تقدير إيرادات موازنة العام 2020. 

2. ضعف تحضيرات الموسم الزراعي في كل أنحاء البلاد؛ مما سيؤدي إلى انخفاض الإنتاج من المحاصيل الرئيسة، مثل القمح؛ مما يتطلب زيادة نسبة الوارد منه، وبالتالي زيادة عجز الميزان التجاري. 

3. إنخفاض نسبة صادر الذهب الخام عن طريق بنك السودان بسبب زيادة التهريب؛ وذلك نتيجة لقلة السعر الحكومي الذي تدفعه للمعدنين المحليين، كما أثر ارتفاع سعر الذئبق على الإنتاج، مع العلم أن 70٪ من إنتاج الذهب المحلي يتم استخلاصه بالزئبق. 

ويبقى التحدي الأبرز لمرور هذه الموازنة ونفاذها هو مدى قدرة قوى الحرية والتغيير في حشد التأييد الشعبي لها، وهي مهمة تبدو صعبة نظرًا لسقف الطموحات المرتفع لدى المواطنين في ظل انقسام سياسي حاد في الرأي العام خلفته سياسات الأحزاب الحاكمة مع المكون العسكري باستبعادها لمكونات سياسية مؤثرة من المشاركة في الفترة الانتقالية، حيث يرى خبراء ومحللون أن ردة الفعل لأي قرار مماثل سيُجابه بحراك شعبي كبير لا يقل عن ثورة ديسمبر. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد