الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

تفاجأ العالم بأخبار المظاهرات التي وقعت في مدن عديدة في السودان، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، فالمدن التي خرجت هي عطبرة، ودنقلا، وبربر، وبورتسودان في الشمال، والقضارف في الشرق، وسنار، وود مدني في الإقليم الأوسط، وبدأت تظهر الآن في العاصمة الخرطوم، بدأت التظاهرات عقيب زيارة المشير عمر البشير إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد في العاصمة دمشق ليكون أول رئيس عربي يزور بشار الأسد، الأمر الذي بدا للمتابع كأن المظاهرات خرجت بسبب هذه الزيارة.

في عام 2005 وقعت حكومة السودان ما يُعرف باتفاقية نيفاشا مع الحركة الشعبية ممثلة بالعقيد جون قرنق، وقد تضمنت الاتفاقية عدة بنود من ضمنها إعطاء قطاع الجنوب حق تقرير المصير بعد ستة أعوام من حينها، ويبدو أن الحكومة اعتمدت بشكل كبير على العقيد باعتبار أنه كان يفضل عدم الانفصال، إلا أن الحسابات تعقدت بعد مقتل جون قرنق في حادثة سقوط طائرته، والتي أحاطها الكثير من الغموض، علمًا بأنها وقعت بعد فترة وجيزة جدًّا من التوقيع.

هذا الأمر جعل انفصال الجنوب منذ حينها مجرد مسألة وقت، وكانت الحاجة حينها ملحة لاتخاذ تدابير لسد العجز الاقتصادي الذي كان سيقع بعد أن يتوقف المورد الرئيسي لخزينة الدولة، وهو البترول؛ إذ إن 75% من إنتاج البترول العام يخرج من حقول موجودة في قطاع الجنوب، وفي عام 2010 أي قبل عام من الانفصال، ظهرت أصوات العقلاء التي كانت تنادي بعمل التدابير اللازمة لتفادي الضرر الذي سيحل باقتصاد الدولة دون أن تجد مستجيبًا.

بدأت آثار انفصال جنوب السودان تظهر على اقتصاد الدولة مع عام 2012، إذ بدأت قيمة العملة المحلية في الانخفاض أمام العملة الأجنبية، فكان الدولار حينها يعادل ثلاثة جنيهات، واصلت العملة المحلية الانخفاض بمعدل تسارعي، إذ إن زيادة الدولار خلال أربع سنوات كانت بمقدار 11 جنيهًا، وفي السنتين اللتين تلتا الأربع سنوات ارتفعت قيمة الدولار أمام الجنيه بمقدار أكثر من 26 جنيهًا ليصل في مطلع العام الحالي لأكثر من 40 جنيهًا، ثم يختم العام مقتربًا من 80 جنيهًا، أما معدل التضخم بحسب موقع TRADING ECONOMICS فبعد أن انخفض بشكل ملحوظ في نهايات العام المنصرم، فإنه قفز في مطلع العام الحالي ليصل إلى 52.4% والآن يصل إلى ما فوق 68% بنهاية العام، انتهى مؤشر أسعار المستهلك CPI العام الماضي إلى 861.5 والآن وصل إلى 1425 .

هذه الأرقام تجّلت في الأسواق على شكل زيادات مخيفة في أسعار السلع، ومن أهمها سعر الخبز التي بسببها خرجت التظاهرات الأخيرة، كما أن الزيادة الكبيرة في سعر الدولار دفعت الحكومة عن طريق بنك السودان المركزي إلى اتخاذ إجراءات مالية مشددة بخصوص السحب من البنوك بغرض تضييق الخناق على تجار العملة الأجنبية، ووضع قائمة بأسماء من يشتبه بهم البنك بأنهم من المضاربين في تجارة العملة.

إذا أردنا الحديث عن الذي أوصل البلد إلى هذه الحالة فلا أفضل من الحديث عن سوء الإدارة، فالحكومة لم تستفد من موارد الدولة الطبيعية والكثيرة جدًّا، فطبيعة الأرض كفيلة بأن تجعل من السودان الدولة الزراعية الأولى في العالم، ولكن الحكومة لم تكتف بعدم الاستفادة من ذلك فحسب، بل قضت على مشروع الجزيرة الذي كان من الممكن أن يحقق الكثير، ودفعت الكثير من المزارعين لترك مهنتهم بسبب السياسات التعسفية، أصبح المقصد الأول لهؤلاء المزارعين وغيرهم من أهل الأقاليم هو العاصمة الخرطوم التي لم يعد فيها مكان لسكانها الأصليين أنفسهم، فالمدينة التي صممت بنيتها التحتية لتَسع عُشر الكثافة السكانية الحالية لم تعد لديها خريطة جغرافية ثابتة لدرجة أن المنطقة التي كان يعرفها سكان الخرطوم قبل سنوات على أنها مشارف المدينة، أصبحت الآن قلب المدينة أو كما يقولون Downtown.

عانى المواطنون خلال هذا العام أزمات في كل شيء تقريبًا، فهناك أزمة في المواد المحروقة، سواءً الوقود أو غاز الطبخ، وقد أثرت الأزمة بشكل مباشر في الحركة داخل المدن والولايات؛ حيث تتشكل الصفوف في محطات الوقود وقد يضيع اليوم بطوله على صاحب المركبة حتى يجد كفايته من الوقود للحركة في اليومين التاليين، ناهيك عن أصحاب المركبات العامة الذين تعتمد عليهم الشريحة العظمى من المواطنين في الذهاب إلى أعمالهم، أو قضاء مصالحهم، وللأسف وصل أثر الأزمة إلى النشاط الزراعي، إذ توقف موسم الحصاد الزراعي بسبب عدم وفرة الوقود للمعدات الميكانيكية، كما أن هناك أزمة السيولة في الصرافات الآلية التي بسببها يضيع يوم بأكمله على المواطن لينال ما يحتاجه من السيولة المالية، سواءً من حسابه في البنك، أم من ماكينة الصرافة الآلية.

هناك أزمة الإسكان، وأزمة المياه، وأزمة الرعاية الصحية، ومشاكل التعليم، كل هذه ملفات موجودة أمام الحكومة دون أي عمل حقيقي بشأنها، مع العلم أن هذا النظام يحكم الدولة منذ عام 1989 أي قبل 30 عامًا تقريبًا، والمفارقة الطريفة أن النظام سمى انقلابه «ثورة الإنقاذ»، ولا أملك أمام هذا إلا أن أذكر النكتة التي تحضر في ذهن المواطن السوداني عن ذلك الرجل الذي يردد دائمًا: أعيدونا إلى المكان الذي أنقذتمونا منه.

حكومة السودان منذ اليوم الأول لتوليها الحكم رفعت شعار الحكم بالشريعة الإسلامية، وأعلنت العداء لأمريكا، والذي بسببه أيدت العراق في حرب الخليج الثانية، واحتضنت زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وغير ذلك من الممارسات التي جعلت أمريكا تضع السودان على لائحة الدول الداعمة للإرهاب، والتي لم تُرفع منها إلى هذه اللحظة، حتى بعد رفع العقوبات التي كانت مفروضة عليها طوال عشرين عامًا، من ناحية أخرى كانت الحكومة بقيادة الأمين العام للمؤتمر الوطني حينها والعمود الفقري في انقلاب 89 الدكتور حسن الترابي – عفا الله عنا وعنه- يستقطب الشباب السوداني للذهاب إلى الحرب الأهلية في جنوب السودان ضد الحركة الشعبية التي كان يقودها آنذاك العقيد جون قرنق، بحجة أن ذلك من الجهاد في سبيل الله، وأن الشهيد ينال الجنة وحور العين وغير ذلك من الأمور التي وجدناه ينكرها بعد انفصاله عن الحزب الحاكم، فلا الترابي تمسك بمبادئه التي كان يجاهر بها أيام سلطته، ولا نظام البشير الذي صدّع رؤوسنا بالمؤامرات التي تتعرض لها الدولة، وأن الدولة ستظل متمسكة بحبل الله المتين، تمسك بوجوب الحكم بالشريعة والتوجه الإسلامي، ووجدناه في النهاية يبذل الجهود الدبلوماسية لإعادة العلاقات مع أمريكا التي كان مبعوثها يسرح ويمرح في البلاد يأمر وينهي، في حين أن هناك عقوبات مفروضة من بلاده على السودان، ثم يمم وجهه إلى الشرق حيث روسيا وتركيا، ويبدو أنه في الطريق إلى إعادة علاقاته مع إيران، والتي قطعها من أجل عيون السعودية التي تأخذ خيرة شبابه ليموتوا على حدودها مع اليمن في حربهم على جماعة الحوثي، التي مع الوقت تتوسع في اليمن أكثر وأكثر، إلى أن ختم مغامراته بزيارة بشار الأسد التي كانت عند الكثير ممن أحسنوا الظن به بمثابة السقوط إلى آخر القاع.

هذا على مستوى السياسة الخارجية، أما السياسة الداخلية فلم يكن يعرف السودانيون الفساد في المؤسسات إلا بعد وصول هؤلاء إلى الحكم، إذ انتشرت المحسوبية، وشبكات السرقة والاختلاس من المال العام، وغير ذلك، وكان مما ظهر منه قضية خط مطار هيثرو، وقضية مشروع المدينة الرياضية، ومصنع سكر النيل الأبيض، وقضية الفساد في ولاية الخرطوم، وقضايا تهريب المحروقات، والذهب، والآثار، والعملات، والدقيق والسكر، والكثير من مقدرات الدولة وثرواتها، وكل ذلك يجري بواسطة شخصيات وجماعات نافذة في المؤسسات القيادية.

في آخر تصريحاته التي وردت قال البشير إنه لا يمكن أن يكون هناك إصلاح اقتصادي حقيقي بدون رفع الدعم، وأنه لا يوجد منطق في دعم الوقود، كما جاء تصريح عن رئيس الوزراء معتز موسى أعلن عما أسماه «الحرب على تجار العملة».

وعلى ما يبدو فالمستبدون العرب كلهم تخرجوا من مدرسة واحدة، تجاهل صريح لأصوات العقلاء الذين تنبأوا قبل سنوات بكل ما يحدث الآن، وكذب صريح على الشعب وعلى الإعلام الذي طرح أسئلة عما بعد الانفصال بالقول بأن كل التدابير قد أتخذت لتفادي تبعاته الاقتصادية، يحدث التدهور الاقتصادي وتزداد وتيرته مع مرور السنوات وهم يكررون الكلام نفسه عن الإصلاح الاقتصادي، وملفات فساد في كل مؤسسات الدولة لا يجري التعامل معها أصلًا، بل يجري التعتيم عليها.

تجار العملة ليسوا سوى نتاج احتياج التجار والمواطنين للعملة الأجنبية التي خلت منها البنوك والمصارف لأداء أنشطتهم التجارية، والتعامل من الجهات الخارجية، ومع مرور الوقت تكون ما يعرف بالسوق الموازي، ورئيس الوزراء الذي جاء على رأس الحكومة التي عقبت التي سبقتها، وعينت في عام واحد، يتكلم وكأن تجار العملة هم أس البلاء الذي حل بالناس، متناسيًا أن الفوضى لا تفرض نفسها إلا عند انتفاء وجود الآلية التي تنظم التداول وممارسة النشاط التجاري في الداخل والخارج بما يحقق الاستقرار.

انطلقت التظاهرات الآن في عدة مدن مع توقعات بتوسعها لتغطي نطاقات أكبر، ليس لهم إلا مطلب واحد وهو سقوط هذا النظام، ولا دليل على ذلك أبين من حرق مقرات حزب المؤتمر الوطني الحاكم في عدة ولايات، كل المؤشرات والوقائع التي بين أيدينا تشير بوضوح إلى أنه لا مجال أصلًا للحديث عن حل أزمات السودان إلا بسقوط النظام الذي هو المانع الحقيقي لمساعي الشرفاء والحكماء أهل المعرفة في مختلف التخصصات في الإصلاح، والذين خرجوا ليُحرِم الشعب منهم ومن إمكانياتهم وأفكارهم التي كان من الممكن أن تجعل واقع الدولة مغايرًا تمامًا لما هو عليه.

كلمة قالها الأديب الراحل الطيب صالح في ختام مقاله في مجلة «المجلة» عند صعود النظام للسلطة عام 1989: من أين جاء هؤلاء الناس؟! بل مَن هؤلاء الناس؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد