منذ أن رفع الرئيس إسماعيل الأزهري قطعة القماش تلك ذات الألوان الثلاثة على سارية قصر الحاكم العام متخذًا منها شعارًا لدولة آن لها أن تولد تحت مسمى السودان، لم تزل أزمة الدولة السودانية كما هي حيث لم تعش تلك الرقعة الجغرافية من الأرض يومًا إحساس الدولة بالمعنى الحديث للكلمة.

أصل الحكاية

محمد علي باشا هو عراب استعمار السودان حين قاد ابنه حملة لاستعمار الأراضي التي عرفت لاحقا بالسودان وكان الذهب ورجال السودان الأقوياء من أهم المغريات التي قادت محمد علي للتفكير في استعمار السودان حيث تتمتع المنطقة الجبلية ببني شنقول بكميات مهولة من احتياطي الذهب ولطالما كان هذا المعدن النفيس هو المحرك الرئيسي للحروب، ومن الأسباب التي قادت الباشا لغزو الأراضي السودانية أيضا رجال السودان الأقوياء لجهة أن محمد علي كان في بدايات تكوين إمبراطوريته وكان بحاجة للرجال الأقوياء نتيجة للحروب المستقبلية التي سيقودها، لذالك أوعز للسلطان العثماني بضرورة ضم الأراضي السودانية للدولة العثمانية على أن تكون السيادة الاسمية للباب العالي ولكن السيادة والاستفادة الحقيقة لمحمد علي باشا.

توحيد الأقاليم

شكلت اتفاقية البقط التي وقعتها الممكلة النوبية مع الجيوش الإسلامية الغازية بقيادة عبدالله بن أبي السرح بداية لتغيير ديموغرافي وجيوسياسي في الأراضي السودانية حيث فتحت الباب لدخول العنصر العربي في هذه البقاع الإفريقية والذي سيكون له عظيم الأثر في تغيير تركيبة السكان المحليين ولغتهم وثقافتهم وحتى معتقداتهم الدينية، قبل أن يدخل محمد علي للسودان كان عبارة عن ممالك ودول مقسمة على أساس عرقي وقبلي حيث كانت لكل قبيلة رقعة من الأرض تحكمها بنظام حكم يختلف عن الآخر، ففي الشمال كان هناك ملك لقبيلة الشايقية وفي الغرب سلطان لقبيلة الفور يحكم بقعة من الارض يطلق عليها سلطنة (دارفور) تحدها من الشرق مناطق نفوذ لقبائل منطقة كردفان وبها حاكم لقبيلة الحمر وتسمي المنطقة (دارحمر) وفي الجنوب يحكم كل قبيلة عدد من السلاطين يسيطرون علي المناطق الخاصة بهم وفي الوسط تسيطر قبائل مستعربة على هذه المنطقة، ولكن ما لبثت تلك المناطق بمسمياتها القديمة أن زالت على يد نظام الحكم الجديد الذي أرساه الباشا حيث جمع تلك الأراضي الشاسعة في أقاليم إدراية تخضع لسلطة مركزية في عاصمة واحدة وبحاكم واحد مع الإبقاء علي بعض النفوذ للقيادات القبيلة فيما عرف لاحقا بالإدارات الأهلية.

المتمهدي وبناء الدولة

بعد أن استقر الحكم في السودان لمحمد علي وأبنائه من بعده حيث كان يعاونهم في الحكم الأتراك باعتبار أن الدولة المصرية أصلا ولاية تابعة للدولة العلية العثمانية بدأ العنصر السوداني يشعر بالظلم والاضطهاد نتيجة للسياسات المتبعة في جباية الضرائب وقسوة المكلفين بجمعها على السكان ونتيجة للكثير من التراكمات في نفوس السودانيين انبرى منهم رجل اسمه محمد احمد وأطلق على نفسه لقب (المهدي) حيث أقنع الناس أنه المهدي المنتظر وأن الله هاتفه وأمره بالجهاد ضد الكفرة وتحرير البلاد والعباد وحكم الأرض باعتباره مهدي الله، بغض النظر عن كونه مهدي الله ام لا فقد أشعل هذا الرجل جذوة النضال في نفوس السودانيين وثار على الحكام المصريين والأتراك باعتبارهم أجانب وقاد ضدهم حربٌا ضروسًا وتمكن المتمهدي من تحرير كل الاراضي السودانية وإقامة دولة سودانية خالصة بأيدويلوجية إسلامية ونظام حكم سياسي قريب لذالك المتبع في دولة الخلافة الإسلامية الاولى، ولكن ما لبثت هذه الدولة أن زالت على يد محتل جديد في العام 1889.

عودة الاستعمار مجددًا

بعد تحول دراماتيكي في الأحداث العالمية وأفول نجم دولة الخلافة الإسلامية في تركيا بدأت بريطانيا غزو أراض شاسعة من العالم واتجه بصرها نحو السودان الذي دخلته عنوة بعد أحداث تراجيدية في معركة (أم دبيكرات) انتهت بمقتل الرجل الذي كان يحكم السودان في ذلك الوقت وهو الخليفة عبدالله (التعايشي) خليفة المهدي في حكم السودان والذي انتهت بموته دولة المتمهدي وبدأت حقبة استعمار إنجليزي مصري للسودان مجددًا وكانت بريطانيا التي سيطرت علي مصر مسبقًا تسعى للسيطرة على أراض أكبر في القارة الإفريقية للحصول على ثروات تلك الأراضي لبناء إمبراطوريتها، حكم البريطانيون السودان مدة 57 عامًا ولم تكن لتدوم لولا نمو الشعور الوطني وبداية تكوين الحركات القومية في السودان كنادي الخريجين وحركة اللواء الابيض ونتيجة للسياسات الخاطئة التي كانت تنتهجها السلطات البريطانية في حكم هذه البلاد نمي الشعور القومي في نفوس السودانيين وظهرت عبارات من شاكلة (السودان للسودانيين).

وعد بلفور السوداني

ألقت الحرب العالمية الثانية بظلالها على كل العالم كان للسودان نصيب منها حيث كانت بريطانيا قد جلبت جنودًا من كل مستعمراتها لمساعدتها في حربها ضد ألمانيا وحليفاتها وقد شارك العنصر السوداني في تلك الحرب تحت التاج البريطاني وذلك بعد أن تلقى ضمانات ووعد بريطاني صريح بمنح السودان أستقلاله إذا شارك بجانب بريطانيا في الحرب وكانت الشجاعة التي أبداها الجنود السودانيون في المكسيك وليبيا هي التي شجعت البريطانيين في التفكير جديًا في تنفيذ وعد بلفور السوداني ومنح السودان استقلاله، مع ذلك فقد كانت هناك حركات سودانية تنوي الاتحاد مع مصر وأن يظل السودان تحت حكم التاج المصري وهو ما رفضه السودانيون بشدة مطالبين باستقلال كامل غير مشروط وقد أبدي البريطانيون نية واضحة أيضًا في منح السودان استقلاله كاملًا وتجسد ذلك في إنشاء مجالس محلية للحكم وإنشاء قوة دفاع السودان وتكوين مجلس للسيادة.

السودان حرًا مستقلًا

مع بدايات العام 1956 بدأ السودانيين يتنسمون عبير الحرية حيث أعلن البرلمان السوداني أو ما يعرف بمجلس السيادة اتستقلال السودان من داخل البرلمان في يوم 19/12/1955 لينطلق الشادي بشدوه (يلا يا غريب يلا يا اللي بلدك ** لملم عفشك وسوق معاك ولدك) لتنطلق احتفالات تجوب السودان من حلايب شرقًا الي الجنينة ووادي (أزوم) غربًا ومن حلفا شمالًا إلي نمولي جنوبًا تلك هي حدود الدولة السودانية ذات السيادة، هذه السيادة التي لم تكتمل إلا ورمزها يرفرف فوق سارية القصر الجمهوري مرفوعًا بأيدي رجال سودانيين وقد تشرف برفع العلم السوداني على ساريته أول رئيس للدولة وهو إسماعيل الأزهري في صبيحة يوم 1/1/1956 موميًا بالك الرفع رفعة قدر الأمة السودانية إيذانًا بولادة جمهورية السودان.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السودان
عرض التعليقات
تحميل المزيد