الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

كل حدث مفصلي يقع في جزء معين، أو منطقة معينة من العالم العربي، لا بد له من تبعات وارتدادات على محيطه الإقليمي بشكل أو بآخر، ولا بد من أن يكون له عوامل وأسباب متعلقة بمحيطه الإقليمي، والحديث هنا ليس عن مجرد محيط جغرافي فقط، بل هو محيط تشترك معه المنطقة في الهوية، واللغة، والدين، ومع الاعتراف بهذا، لا بد كذلك من الإقرار بخصوصية ذلك الحدث في تسلسل أحداثه، وسمات المجتمع الذي وقع فيه الحدث، وكيف تعامل معه.

الثورة السودانية في المعنى العام ليست حدثًا خاصًا لا سوابق له في السودان، أو في محيطه الإقليمي، أو في العالم بأسره، وكذلك ليست مجرد حلقة من سلسلة أحداث لها نمط معين لا يجوز الانفكاك عنه، الأمر ذاته يمكن قوله عن ثورة يناير (كانون الثاني) في مصر، وقبلها تونس، وبعدهما ليبيا، وسوريا، واليمن، وصولًا إلى الجزائر.

والذي أميل إليه مما سيتبين في السطور التالية، هو أن المؤشر يميل لخصوصية الثورة السودانية أكثر من ارتباطها بتغير نوعي في المنطقة، ولا أعني بالخصوصية هنا تفوق السودانيين في ثورتهم على النظام المستبد على ثوار الشعوب الأخرى، الذين ثاروا على أنظمتهم المستبدة، ولا أقصد أيضًا أنهم أقل من غيرهم في ثورتهم، ولكن أعني مجرد اختلاف الأحداث وتفاصيلها، وسياقها.

وهناك أسباب عديدة لهذا، ولكن السبب الأبرز هو عزلة المجتمع السوداني، وضعف ارتباطه مع ما يحدث حوله، سواءً كان في العقد الحالي أم الذي سبقه، صحيح أن النظام اتبع أسلوب الأنظمة الساقطة نفسه تجاه شعوبها الثائرة، فيما يتعلق بالتشويه، والتضليل الإعلامي، ولكنه لم يستخدم أبدًا شماعة الإرهاب كما لاحظنا، بل لجأ لخطاب فقير وغير متماسك؛ إذ تحدث عن مؤامرات الموساد والسفارات، ومن قلّة حيلة النظام في هذا المضمار، لم يكن هذا خطابًا جديدًا، بل هو خطاب قديم يستدعيه النظام ضد كل أعدائه، فكان يستدعيه في حربه مع المنشق جون قرنق، وكان يستدعيه مع الانفصالي خليل إبراهيم وقيادات حركة العدل والمساواة، وياسر عرمان، وغيرهم من قادة الفصائل، ولا أقول هذا من باب التزكية لهذه الفصائل.

كانت أبرز مخرجات الربيع العربي هي ظهور التيار الإسلامي في مصر، واليمن، وتونس، وسوريا، ولكن الثورة السودانية كانت ضد نظام إسلامي من ناحية، ومن ناحية أخرى كان ميكيافيليًا بامتياز في تعامله مع الدول المحيطة به، وهذا ما جعل تعاملها مع الثورة السودانية مختلفًا عن تعاملها مع ثورات الشعوب الأخرى، فالسعودية والإمارات اللتان تحاربان التيارات الإسلامية في الدول، كانتا تراقبان ما يحدث في السودان بحذر وترقب، وقطر التي كان أميرها ينادي بحرية الشعوب، كان أول من تواصل مع البشير ليعبر عما أسماه «دعمه لاستقرار السودان»، أما تركيا فقد كان دعمها للنظام واضحًا صريحًا في قول نائب رئيس حزب العدالة والتنمية إنه يرفض كل محاولات التخريب التي تتستر بعباءة المطالبة بالديمقراطية، وكم هو عجيب أن تدعم تركيا النظام الذي تأسس على أمر هو نفسه الأمر الذي كان فتح الله غولن يريد فعله، وتركيا الآن تطارده وتطلب رأسه بسبب ذلك.

الأمر كذلك بالنسبة للإعلام؛ فكل وسائل الإعلام التي تنتمي إلى طرفي الصراع الخليجي والثورات والثورات المضادة كانت تغطي الأحداث في الشارع، بما يوصل صوت الثائر السوداني لكل متابع، مع افتقار بعض القنوات بطبيعة الحال للقدر المطلوب من المهنية في العمل الإعلامي.

نأتي للأسبوع الأهم في الحراك الثوري، وهو ذلك الأسبوع الذي بدأ بالموكب الكبير الذي وصل لمحيط مباني القيادة العامة للقوات المسلحة، واعتصام الثوار، وانتهى بخلع البشير من السلطة، والحدث يشبه لحد كبير اعتصام الثوار المصريين في ميدان التحرير في ثورة يناير عام 2011، معرفة ذلك تضع أول عقبة في تكرار سيناريو انقلاب عبد الفتاح السيسي الذي استدعاه البعض تحذيرًا من وقوع حدث مشابه له في السودان، بعد بيان عوض ابنعوف الذي أعلن فيه عن خلع البشير، أحد أهم أسباب نجاح انقلاب السيسي هو توفر قاعدة جماهيرية عريضة حشدت وشحنت بكراهية جماعة الإخوان المسلمين وحكمهم، هذا مع الخطاب الإعلامي الذي كان يحضّر الساحة لنزول الجيش لتولي الأمور، الثوار في السودان كان سخطهم تجاه النظام حقيقيًّا متولدًا بفعل ممارسات قمعية إقصائية على مدى ثلاثة عقود، ولم تكن هناك آلة إعلامية تحشد الثوار سوى بعض المنصات القائمة على مبادرات فردية، ولم يكن لديها دعم مادي كبير.

أمر آخر وهو طبيعة المؤسسة العسكرية المصرية، التي كانت وما زالت كيانًا موازيًا وسلطة مستقلة عن سلطة الدولة تختلف عن المؤسسة العسكرية السودانية، التي تحولت بفعل خطة الترابي الانقلابية إلى مؤسسة خادمة للنظام الجديد وجزء منه، وهناك من يرى أن العلاقة بين المؤسسة العسكرية ونظام البشير هي علاقة تزاوج بين كيانين متكافئين، وبالنسبة لي يمكنني أن أفهم القولين من كلام علي عثمان محمد طه؛ إذ قال إن من أهم ما رسخ له حزب المؤتمر الوطني «إنهاء القطيعة» بين العسكري والمدني، وقال كذلك إنه يمكن للعسكري أن يقوم بما يقوم به المدني، والعكس صحيح.

أيًّا كانت العلاقة بين الجيش والنظام، فهي قد تدهورت كثيرًا، وربما كان هذا بسبب الغبن من رؤية مؤسسة كجهاز الأمن، يعمل بصلاحيات مطلقة، وميزانية مفتوحة، ومقرات لا يعلم عنها أحد أي شيء، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى حصول رجل مثل حميدتي على رتبة فريق لا ينالها أحد بطبيعة الحال إلا بعد سنوات طويلة في الخدمة العسكرية، وأيضًا حصوله على عدة امتيازات تكاد تجعله قوة موازية للجيش.

حاول البشير تمكين الجيش في السلطة بترقية عوض ابنعوف ليكون نائبًا له، مع احتفاظه بمنصب وزير الدفاع، وربما كانت هذه الدفعة ذاتها هي عامل مهم في إقدام ابنعوف على خلع البشير فيما بعد، المهم أن الذي يعرفه الجميع هو أن الجيش حمى المعتصمين في محيط القيادة العامة، ولكن السرد الأدق لما حدث هو أن صغار الضباط وضباط الصف هم الذين حموا المعتصمين، وكانوا ثابتين على هذا الموقف في هجمتي ميليشيات الأمن في موعد الفجر، وكانت من الشهادات التي وردت بخصوص هذه الأحداث أن كبار الضباط كانوا يطالبون الثوار بمغادرة المكان، بينما الضباط الصغار هم الذين يعاهدونهم بالدفاع عنهم مهما كلفهم الأمر، وقد سقط بالفعل أكثر من جندي في الاشتباكات التي وقعت بين الجيش، وبين ميليشيات الأمن.

هؤلاء هم الضباط الذين لم تصلهم يد النظام الفاسدة، وقد يجوز لنا القول إن كبار الضباط كانت أولويتهم سد الفجوة التي ظهرت بينهم وبين الضباط الصغار؛ بسبب ميل هؤلاء لجانب الثوار، بدلاً من حماية البشير، الذي أدرك ذلك؛ فعاد إلى ظهيره السياسي حزب المؤتمر الوطني، بعد أن حاول أن يروج لفكرة أنه انخلع عنه وصار على مسافة واحدة من الجميع، على حد قوله، والآن يخشى المجلس العسكري الجديد أن تعود الفجوة من جديد؛ ولهذا لا يصطدم بالثوار، ولا يقرب الاعتصام إلا من خلال محاولات غير مباشرة تحت ذريعة تأمين مبنى القيادة، أو تسهيل الحركة لباقي الناس، أو غير ذلك.

بالنسبة للتدخل الخارجي، فلا شك أن هناك تحركًا جادًا من السعودية والإمارات لتوطيد العلاقات مع المجلس العسكري؛ وذلك لأهداف من الصعب معرفتها على نحو مؤكد، ولكن هذا التحرك يختلف عن التحرك في الدول التي قامت فيها الثورات؛ إذ إن دافع الإمارات والسعودية المعروف في معظم التحركات السابقة كان القضاء على صعود التيارات الإسلامية، بالنسبة للسودان، فالتيار الإسلامي كان موجودًا بالفعل على رأس السلطة ممثلًا في المؤتمر الوطني، ولم يتحرك يومًا لإسقاطه، ولذلك فالراجح عندي أن أولوية الإمارات والسعودية هي الحفاظ على وجود القوات السودانية في تحالفهم، وإن كان هذا سيؤدي أيضًا في النهاية إلى الاصطدام مع الثورة السودانية، والتي أحد أبرز مطالبها بعد القصاص من المتورطين في جرائم القتل، ونهب المال العام، هو انسحاب القوات السودانية من حرب اليمن، واستجابة المجلس العسكري للثنائي الخليجي في ظل الوضع الراهن الذي تكلمت عنه سابقًا، لن تكون أمرًا هينًا، بخلاف السيسي الذي كان قد استتبت له الأمور وحصل على التأييد.

ما زال التطورات تتوالى بعد تولي عبد الفتاح البرهان لرئاسة المجلس العسكري، وإلى التصعيد الذي قامت به قوى إعلان الحرية والتغيير، والتي يتصدرها تجمع المهنيين السودانيين ضد المجلس، وما زالت كل السيناريوهات التي حدثت في الدول الأخرى سواءً كانت مصر، أم ليبيا، أم اليمن محتملة، ولكن مع بعض العوامل مما أورد آنفًا، تكون فرصة تحقق أي منها ضيقة، والأمر كله في النهاية محاولة لفهم ما يحدث ودراسته بشكل مستقل بعيدًا عن التقيد بما يمليه أقطاب الإعلام الخليجي، أو بعض الذين لا يقبلون إلا التحليل وفق مسارات بعينها، أو من ليس عندهم إلا التغريد خارج السرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد