بين ليلةٍ وضحاها، تحول من يرتدين «الفنيلة والشورت»، من الكنداكات السودانيات، أيقونة ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة، إلى منبوذات، خارجات عن العُرف، والتقليد المجتمعي، فمشهد الكنداكات وهن ينزعن رداءهن الطويل ليكشفن عن ملابس رياضية، هو ما لم يكن مألوفًا، وهن يباشرن الاستعداد للمباراة، يرتدين جوارب سميكة تحت السراويل القصيرة لتغطية الأرجل، تلاحقهن نظرات شبان فضوليين ومصدومين بهذه الملابس، بينما تلازم البسمة أوجه الشابات وهن يركضن، على العشب الاصطناعي، مع إدراكهن أنهن رائدات في هذا المجال، وكتبن التاريخ.

جدل كبير ضجت به الأسافير وحفلت، فور انطلاقة أول مباراة لدوري سيدات السودان، وانقسم السودانيون بين مؤيد، وبين من هو رافض للفكرة؛ تباينت الآراء واختلفت، اختلافًا جزئيًّا لدى بعضهم، وكليًّا لدى بعضهم الآخر، حول ممارسة الكنداكة السودانية لكرة القدم.

أكثر من كانوا رافضين للفكرة، ومجاهرين بذلك، هم رجال الدين، وبخاصة من كانوا على الضفة الأخرى، من التغير الذي حدث، والثورة الأخيرة.

ممارسة السودانيات لكرة القدم، ليس بالأمر الجديد على المجتمع السوداني، بل إنه متجذر، وضارب في جذور التاريخ، والحديث يقودنا لأول فريقٍ لكرة القدم النسوية، نادي الهلال، إذ يُعد هو أول نادٍ يكون فريقًا للسيدات، وكان ذلك في عام 1975، وبحسب ما يشير إليه المؤرخ والموثق الرياضي السوداني معتصم أوشي، «إن أول محاولة لظهور السيدات في الألعاب الرياضية بالسودان قد بدأت في ستينيات القرن الماضي، وأن مريم النجومي هي الرائدة والأولى، التي دعت لدخول السيدات في الألعاب الرياضية بالسودان، حين تحدثت بكل جرأة في 1963، عبر مجلة الرياضة وبعض الصحف وقتها، عن ضرورة إتاحة الفرصة للفتيات لممارسة الرياضة أسوة بالفتيان».

والتاريخ يذكرنا أيضًا، بأن أول مباراة في كرة القدم للسيدات، في تاريخ السودان، لعبت عام 1975، في مهرجان تكريم الرئيس الراحل جعفر نميري باستاد الهلال، ولُعبت تلك المباراة بين فريقين للسيدات يتبعان للهلال، وقد ارتدى أحدهما الزي الأبيض والآخر الأزرق.

ويتوقف تاريخ رياضة السيدات وكرة القدم في السودان، عند سيدتين، الأولى هي منيرة رمضان أبكر، التي تعد أول سيدة في تاريخ السودان، تعمل حكمًا في مجال كرة القدم للرجال، وذلك خلال الفترة 1975- 1980، وقد كسرت منيرة رمضان التقاليد تمامًا وقتها، حين ارتدت الزي التقليدي المعروف لحكام كرة القدم، وأدارت أول مباريات تنافسية بدوري العاصمة الخرطوم بملعب دار الرياضة، والثانية هي سلمى الماجدي التي تعد أول سيدة تدرب فريق كرة قدم للرجال رسميًّا في 2015.

لتأتي ميرفت حسين الصادق، عضو الاتحاد السوداني لكرة القدم، ومسؤولة قطاع الكرة النسوية، لتكون هي محور الحدث التاريخي، حين عهد إليها البدء في بلورة الأفكار لتنظيم أول دوري رسمي للسيدات بالسودان. وبالتالي فإن الناظر إلى كل هذه الإشراقات، خلال الفترة الزمنية المختلفة الماضية، يجد أن الأمر لم يجد رفضًا وممانعةً، كالذي وجدته فكرة قيام دوري السيدات هذه المرة.

ممارسة المرأة لكرة لقدم، مسألة في غاية الحساسية، لدى عامة السودانيين، والأمر مرده للعادات والتقاليد المأخوذة والمستوحاة، من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، فلا غرابة أن تتقلب هذه التقاليد على كل الأفكار والفرضيات الجديدة التي من شأنها أن تعزز من هذه التقاليد ونزعتها في نفوسهم. لذا من الصعوبة بمكان أن يتقبل المجتمع السوداني «المحافظ»، ممارسة المرأة لكرة القدم، لأنهم ينظرون إلى الأمر كونه لا يخلو من السفاهة و«قلة الأدب»، وحتى وجود المرأة في مدرجات الملاعب السودانية، يكاد لا يتعدى أصابع اليد الواحدة.

الناظر والمتأمل لدوري سيدات السودان، كتجربة يجد أن نجاحه متوقع بصورة كبيرة، خاصة بعد القبول النسبي الكبير الذي وجده، وبخاصة من الجيل الجديد من الجنسين، وحتى الاعتراض الذي قوبل به الدوري حتى الآن، لم يخرج إلى المواقف الرسمية؛ كالوقفات الاحتجاجية وغيرها، بل ظل محصورًا في شبكات التواصل الاجتماعي، ولم يغادر مجموعات النقاش والحوار والتداول، بين رموز المجتمع وعامة الناس.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد