تتسارع خطوات الحكومة الانتقالية في السودان نحو توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل (تطبيع العلاقات بين البلدين) بحسب تقارير إخبارية متواترة لم تتوقف منذ اللقاء المفاجئ الذي عقده الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في عنتيبي بأوغندا فبراير (شباط) الماضي، والذي يعد اللقاء الأول من نوعه بين مسؤولين بهذا المستوى من البلدين، وأسفر عن عدة تفاهمات لتطبيع العلاقات وأهم هذه التفاهمات فتح المجال الجوي السوداني أمام خطوط الطيران الإسرائيلية للمرة الأولى في تاريخ البلدين، وزادت التوقعات بقرب التطبيع بعد زيارة وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، للخرطوم نهاية أغسطس الماضي كأول زيارة لوزير خارجية أمريكي منذ 15 عامًا واكتسبت هذه الزيارة أهمية بالغة، كونها انطلقت من مطار بن غوريون، كأول رحلة جوية مباشرة بين الخرطوم وتل أبيب، وتأتي الخطوة الأهم في هذا الجانب بالزيارة التي ابتدرها البرهان لأبوظبي برفقة وفد وزاري برئاسة المستشار نصر الدين عبد الباري وزير العدل يومي 20 و21 سبتمبر (أيلول)، والتي تهدف للنقاش حول رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وفق تعميم صحفي صادر عن موقع مجلس السيادة الانتقالي.

تحركات إقليمية 

الخطوة لا تبدو في سياق منعزل؛ إذ تأتي في إطار خطة السلام الأمريكية التي تهدف لبناء (شرق أوسط جديد)، ضمن سياسية الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والتي يهدف من خلالها لكسب اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية (إيباك)؛ إذ قدم الرئيس الجمهوري ما لم يقدمه رئيس أمريكي لهذا اللوبي، ابتداءً من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ووقف المساعدات عن منظمة اللاجئين الفلسطينيين، ووقف المساعدات عن السلطة الفلسطينية، وكان أكبر قربان قدمه لأصدقائه في تل أبيب هو الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني وتقود هذا الاتجاه في المنطقة بصورة واضحة ومعلنة دولة الإمارات العربية المتحدة التي أعلنت تطبيعها العلاقات مع إسرائيل في أغسطس (آب) الماضي ثالث دولة عربية بعد مصر والأردن تقيم علاقات مع إسرائيل، كما انضمت البحرين للاتفاق الذي وقع في واشنطن منتصف سبتمبر الجاري، وتشير تقارير إلى موافقة المملكة العربية السعودية على خطوات حليفتها التطبيعية، حيث تجمع المملكة علاقات غير معلنة مع إسرائيل وتنسيق مشترك حول الموقف من إيران.

رفض شعبي للتطبيع 

بالنسبة للسودان هناك تعقيدات داخلية تهدد أي إتفاق للتطبيع مع الكيان الصهيوني، أهمها الرفض الشعبي العام لفكرة التطبيع، إذ يرفض قطاع كبير من السودانيين فكرة أن يرفرف العلم الإسرائيلي في عاصمة اللاءات الثلاثة، وهي كنية تعود للعام 1967م أطلقت عقب نهاية القمة العربية الاستثنائية التي خرجت بقرارات واضحة لُخصت في ثلاث لاءات  (لا صلح لا اعتراف لا تفاوض) كما قررت القمة استخدام مقاطعة بيع النفط سلاحًا اقتصاديًّا ضد الاحتلال الإسرائيلي، كان ذلك أيام الديمقراطية الثانية، وكان السودان هو البلد العربي الوحيد الذي ناقش وأجاز هذا القرار داخل برلمانه المنتخب، يزيد من هذا الرفض الشعبي العام طرح قيادة الحكومة الانتقالية قرار سيادي مثل التطبيع بوصفه سلعةً تباع وتشترى حيث أفادت تقارير متعددة عن طلب رئيس مجلس السيادة الانتقالي مبلغ 10 مليارات دولار لإكمال التطبيع، وذكرت وكالات طلب رئيس الوزراء مبلغ مليارين دعمًا سلعيًّا، هذه الطريقة البائسة والتي تدل على ضيق أفق الحكومة الانتقالية وعجزها عن إدارة شأن البلاد تُضاف إلى رصيد متراكم من الفشل السياسي والاقتصادي.

رفض قوى وتيارات سياسية 

كانعكاس طبيعي للرفض الشعبي، هناك تيارات سياسية يمينية ويسارية ترفض خطوة التطبيع مع الكيان الصهيوني لاعتبارات مختلفة، منها أحزاب داخل التحالف الحاكم مثل الحزب الشيوعي السوداني، الذي يرى التطبيع مع إسرائيل خطوة تأتي في سياق عام لبيع القرار الوطني للقوى الإمبريالية الجديدة ويربط خطوة التطبيع مع عودة الحكم الديكتاتوري من جديد وهي فرضية صحيحة إلى حد ما؛ إذ لا يتوقع أن يقبل ممولو صفقة التطبيع بحكم ديمقراطي حقيقي في البلاد لأن النتيجة الحتمية لأي حكم ديمقراطي يعبر عن الشعب هي رفض أي تصفية للقضية الفلسطينية ومن بين الأحزاب السياسية الرافضة لخطوة التطبيع حزب المؤتمر الشعبي، وهو حزب الزعيم السياسي الراحل الدكتور حسن الترابي، إذ أكد الحزب في أكثر من بيان وتصريح صحفي رفضه القاطع لأي خطوة للتطبيع، واتخذ موقفًا سياسيًّا رافضًا لتطبيع دولة الإمارات مع الكيان الصهيوني ويحتفظ الحزب بعلاقات طيبة مع حركة حماس حيث أطل رئيس المكتب السياسي السابق للحركة في بث مباشر على صفحة الحزب في «فيسبوك» في مايو (أيار) المنصرم تحدث فيه عن زيف التطبيع، وحث القيادة السودانية على وقف خطواتها في هذا الاتجاه.

كما أن هناك قوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني ترفض التطبيع إجرائيًّا وترى أن هذا القرار ليس من أولويات الفترة الانتقالية، وهو قرار ينبغي أن تتخذه حكومة منتخبة، وهذا هو موقف غالب الأحزاب السياسية، بما فيها بعض أحزاب التحالف الحاكم، وهو موقف منطقي ومتوازن، لأنه يراهن على قرار الشعب وبالتأكيد لن تخسر المقاومة إذا راهنت على الشعب السوداني، وبصورة عامة ستلقي خطوة التطبيع مع الاحتلال بظلالها على التحول الديمقراطي في السودان بسبب تراكم النفوذ والثروة الذي سيحصل عليه المكون العسكري في الحكومة الانتقالية بسبب الدعم الإقليمي الذي سيحظى به، والذي لن يكون مربوطًا بالمؤسسات المدنية القائمة لاعتبارات كثيرة، أهمها موقف بعضها تجاه قضية التطبيع، وستكون المحصلة النهائية حكمًا عسكريًّا شموليًّا يحافظ على مكاسب الاحتلال وحلفائه الإقليميين في المنطقة لذا وجب على القوى السياسية في السودان رفض الخطوة بوصفها حجر عثرة في طريق التحول الديمقراطي في السودان قبل كونها قضية مبدئية وعقدية للشعب السوداني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد