في أغسطس (آب) من العام الماضي كان حدثًا عظيمًا للسودانيين، ولمَ لا وهو التاريخ الذي حطت فيه طائرة دولة رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك القادمة من أديس أبابا إلى الخرطوم، حيث صرح حينها الخبير الاقتصادي بأنهم في الحكومة الانتقالية سيعتمدون على الإنتاج، والحلول الذاتية، لا الهبات والمعونات الخارجية في بناء الاقتصاد السوداني، ذلك التصريح وجد صدى طيبًا في نفوس السودانيين الذين كانوا يعوِّلون على نمو اقتصادي وطفرة محلية في ظل توفر الإمكانات المحلية من مواردٍ طبيعية وعزيمة محلية قادرة على تذليل الصعاب والقفز بالبلاد إلى دولة الرفاه والرفاهية.

ولكن تلك اللغة سرعان ما اختفت بعد تشكيل حكومة الثورة وإسناد حقبة المالية فيها لإبراهيم البدوي الذي ضمن في موازنته إيرادات تجاوزت الـ50% من إجمالي الإيرادات الكلية، حيث أُدرجت تلك المساهمة تحت مسمى أصدقاء السودان، بعد ذلك توالت التصريحات بين مكونات الحكومة السودانية الحالية المؤكدة على ضرورة وحاجة الدعم الخارجي للاقتصاد في ظل وعود دولية بذلك، والتي قدرها ذات مرة رئيس مجلس الوزراء – أي احتياجات السودان من الدعم – بـ8 مليار دولار، ثم انتهى المطاف بتلك الوعود الدولية بمؤتمر للمانحين على تقنية «الفيديوكونفرنس»، والذي انعقد في 25 من يونيو (حزيران) الجاري تحت مشاركة دولية متواضعة وإشراف ألماني ببرلين.

تجدر الإشارة هنا أن هذا المؤتمر ليس الأول من نوعه في ما يتعلق بدعم السودان ماليًا، فقد شهد السودان من قبل مجموعة من مؤتمرات المانحين الدوليين أشهرها مؤتمر أوسلو، ومؤتمر الدوحة، وغيرهما من المؤتمرات الداخلية والخارجية، والتي تعلقت بأحداث مصيرية، فالأول أعقب اتفاقية السلام الشامل والشائعة باتفاقية نيفاشا، في حين خُصص الثاني لسلام دارفور الذي احتضنته العاصمة القطرية الدوحة؛ القاسم المشترك في تلك المؤتمرات هو أن الآمال التي تتعلق بتلك المؤتمرات دائمًا ما تُعانق عنان السماء، ولكن سرعان ما تنكشف أحلامُها السرابية التي تبين عدم مصداقية وجدية ما يُقال فيها، بل حتى التي يتم تنفيذها دائمًا ما تكون في شكل مشاريع تنموية مجدولة على سنين طويلة، وليست في شكل دعومات نقدية مباشرة.

في مؤتمر أوسلو الذي استضافته النرويج خرج المانحون بتبرعات بلغت 4.5 مليار من جملة 7.9 مليار وهو المبلغ الذي قدرته الأمم المتحدة والبنك الدولي لإعمار السودان بعد توقيعه لاتفاقية نيفاشا 2005 التي أوقفت الحرب التي استمرت لمدة نصف قرن من الزمان، فالسودان وجنوبه لم يجنيا من تلك التبرعات سوى مبلغ 150 مليون دولار فقط، وكانت عبارة عن مشاريع تنموية لم يدخل منها خزينة السودان دولار واحد كدعم نقدي؛ في بلغت تبرعات مؤتمر برلين الأخير 1.8 مليار دولار منها مبالغ دُفعت مسبقًا في شكل معونات لمواجهة فيروس كرورنا، في حين بلغت المعونات النقدية 100 مليون دولار فقط، منها مبالغ تنتظر موافقة السلطات التشريعية في بلدان الدول الداعمة، علمًا بأن البنك الدولي صمم صندوقًا ائتمانيًا نقديًا قدره بـ1.9 مليار دولار لدعم المشاريع التنموية في السودان.

ما حدث في مؤتمر برلين هو فصل جديد من فصول الإلهاء الذي يمارس في حق هذا الشعب السوداني وتغييبه عن الواقع الذي يُنذر بكارثة اقتصادية لن تُبقي ولن تذر في ظل عطبٍ اقتصادي تُمارسه الحكومة الحالية؛ فالاقتصاديات التي نمت في ظل قدرات محلية، ولم تعتمد على الروشتات الدولية ودعاماتها المشروطة بتدخلاتها وتحديداتها لمسارات اقتصادية معينة ومرهونة بأهواء المؤسسات الدولية وشركاتها كانت أقوى وأكثر صمودًا في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية وموجاتها السالبة؛ عكسها تمامًا تلك الاقتصاديات التي ارتمت في أحضان المؤسسات الدولية وشركائها فتجربة النمور الآسيوية الاقتصادية كفيلة بفضح تلك المؤسسات وشركائها الذين يبحثون عن أسواق يسيطرون عليها ليس بهدف دعم تلك الدول، وإنما بهدف السيطرة على الأسواق المحلية وقطاعاتها المنتجة وتوظيفها لخدمتهم.

ختامًا؛ لا أحد يكره ويرفض الخير للسودان، ولكن هذه الطريقة لن تبني اقتصادًا ولن تخرجه من تلك العقبات التي ظل يعاني منها منذ انفصال جنوبه ومرورًا بالأزمات التي لاحقته تباعًا، فتجربة السودان مع تلك المؤسسات دائمًا ما انعكست سلبًا على الاقتصاد المحلي فتجربة التحرير الاقتصادي، وتعويم سعر الصرف، ورفع الدعم، وإعادة الهيكلة، كانت وبالًا على الاقتصاد؛ لذلك تظل الحلول محلية كما ذكر عبد الله حمدوك في تصريحه الأول؛ أما الذين هللوا وكبروا لمخرجات مؤتمر برلين كان الأولى لهم أن يفرحوا بمبلغ الـ64 مليار دولار التي وُجدت بحوزة رموز النظام السابق بماليزيا «حسب حديث الأحزاب الحاكمة الآن» وكذلك الـ100 مليار التي وجدها عضو مجلس السيادة السوداني صديق تاور، فتلك المبالغ إن كانت حقيقية ستكون أكثر أثرًا على الاقتصاد فهي مبالغ نقدية يمكن توظيفها بحسب الحوجة السودانية، وليس هوى الداعمين كما أنها مبالغ تزيد عن مبلغ مؤتمر برلين بنسبة 91%.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد