شاهدت الحراك في السودان والجزائر، بشيء من الخوف والترقب والأمل، وشاهدت اليوم الذي تصدت فيه قوة عسكرية لقوات الشرطة التي حاولت فض إحدى التظاهرات، أمام مقر القيادة العامة للجيش في السودان بالقوة، وفهمت منها الرسالة التي كان يريد العسكر التأسيس لها قبل إعلان انقلابهم على «البشير»، وهي: «نحن صمام الأمان، وإن لم تلتفوا حولنا، وتنصاعوا لخطتنا في إدارة المرحلة القادمة، تركناكم والفوضى التي تنتظركم، تلك التي سنصنعها بأيدينا، ثم نساومكم عليها حتى نحكمكم بها إلى ما يشاء الله».

ثم تابعت بعدها بسخرية وضحكات وغضب مؤتمر «المجلس العسكري السوداني»، ذاك الذي يشرب من ذات الضرع الذي شرب منه عسكر مصر والجزائر وسوريا، فهم لم يتركوا شيئًا لم ينسخوه من التجربة المصرية تقريبًا، حتى «عبد الفتاح» لم يتركوه لنا خالصًا، بل أصروا على استنساخه، وكي لا يحدث للثوار في السودان أو الجزائر ما حدث ويحدث في مصر، يجب أن تنتبهوا لعدة أمور.

«لا تثقوا في أي أحد كائنًا من كان».. ولا يستثنى من هذا شيخ، أو مفكر، أو أديب، أو إعلامي، أو مثقف، أو حزب، أو جماعة؛ لأن الثقة المطلقة في واحد من الناس لا تعرفوه مهلكة، وكذا الثقة في شخص أو هيئة لم تختبروه عمليًّا -ولو تربيتم على نظرياته وأفكاره- لا يمكن أن تصدر من عاقل أو لبيب؛ لأن كل منفرد عليه ضغوط، وكل جهة ولها مصالح وتوجهات.

«لا تقبلوا بشيء على مضض».. فأنتم اليوم تؤسسون لمرحلة المحاسبة والمراقبة وصناعة القرار، ولستم عبيدًا لأحد، تستجدون منه الرضى أو القبول، فادرسوا جيدًا ما يُعرض عليكم، واستفيدوا من تجارب الذين سبقوكم.

«لا تنخدعوا بالشجعاء الجدد».. أولئك الذين سيخرجون على الشاشات، بعدما رقدوا سنينًا في قبور القوالب، التي صنعوها لأنفسهم، أو صنعها النظام لهم، أو الذين كانوا بالأمس مؤيدين لولي الأمر (الشرعي)، كما روجوا، وأفتوا، فصاروا اليوم مع الثورة، أو أولئك الذين صنعتهم الدولة منذ سنين لهذه المواقف، أولئك الذين سيفسدون عليكم كل شيء، حتى لا يبقى لكم شيء، الذين سيظلون يرتقون أكتافكم حتى يأتي اليوم الذي يزايدون فيه عليكم؛ بغرض دفعكم نحو مزيد من التهور والخسارة.

«نحن الذين أسقطنا النظام».. الذين أسقطوا رأس النظام، ليسوا أصحاب منهج واحد، أو توجه واحد، أو مبادئ واحدة، حتى ينسبوا الفضل لأنفسهم أو مذهبهم، فالذي أسقط «البشير» هم الثوار من كل طيف، فكل الذين شاركوكم الميدان ساعة العسرة، هم منكم وأنتم منهم، وكل الذين ترددوا أو رفضوا المشاركة -حتى ولو شارك أشخاص أو أفراد منهم معكم مخالفين ورافضين رأي جماعتهم أو حزبهم- ليسوا منكم ولستم منهم في شيء؛ وهذا يعني أنه لا يؤخذ الفرد بجريرة جماعته، أو مذهبه، أو أيديولوجيته، فكل من شارك وقت العسرة فهو منكم، وكل من رفض وتردد لا بد أن يتنحى عن تصدر المشهد ومشاركة النصر -إن تحقق-، واعلموا أن هناك عيونًا كثيرة تنظر إليكم، وتنتظر صنيعكم.

القوى الكبرى

أمريكا، والغرب، وروسيا، والصين، وغيرهم من المتحكمين في سوق المال والأعمال والقوة والسلاح، يريد كل واحد منهم أن يثبت للمرة التي لا أستطيع عدها، بأنه صاحب القرار العالمي، فتنظر تلك القوى إلى شعاراتكم، وقوتكم، ووحدتكم، ومواطن الخلل فيكم، حتى إذا تحركتم حراكًا، أو أحدثتم حدثًا لم ترض عنكم فيه؛ سلطت عليكم كلابها لتنهشكم، ثم بعد أن تنتهي من أكلكم، تُصعد كلابها مرة أخرى لتعوي فوق جثثكم، بأن هذا مصير الخائنين.

فتلك القوى مهتمة بالجباية لا بالحقوق، وبالسيطرة لا المشاركة، وبالترويج لا بالمبدأ، فهم يبيعون القريب والبعيد والحليف والصديق، من أجل صفقة هنا، أو قرار هناك.

الأنظمة العربية من حولكم

أولئك الذين يخدمون القوى الكبرى التي مرت، ولو على حساب دمائكم وأعراضكم وآلامكم، أولئك الذين يملكون في كل مجال (صبيان) علموهم على أيديهم، وصنعوهم على عيونهم؛ ليشتتوكم عن عمد عن الطريق، أولئك الخائفون على كراسيهم، والخائفون أكثر من توسع حزب المستضعفين حول العالم، فبدلًا من أن تقوم كل من تركيا وقطر باستقبال ومساندة المعارضين وقضاياهم، يصبح لديهم صداع اسمه السودان والجزائر، ينضم لتركيا وقطر في المحافل العربية والإسلامية والدولية وعلى الأرض، وبدلًا من أن تكون تركيا وقطر وحيدتين في الساحة، يصبح هناك تجمع أقوى من السابق؛ فتصير هناك قدرة أكبر وحراك أقوى، يمكن من خلاله عودة الربيع العربي في البلاد، التي كان فيها خاسرًا أو نصف خاسر، بشكل أقوى من السابق، ولمثل هذا يتم سحق السوريين وثورتهم، وتشتيت التونسيين، وتخويف الليبيين بالدمية العجوز «خليفة حفتر».

وهؤلاء يشنعون على كل من يحاول مساندتكم بأنهم سماسرة يريدون الاستثمار واستغلال دمائكم، رغم أنكم قد صرتم تعلمون اليوم مَنْ الذي يستثمر في الدماء في اليمن، حتى ولو على حساب الأطفال والحلفاء، وتعلمون مَنْ الذي يبيع اليوم في مصر ويشتري، وكيف أنهم ضخوا أموالًا في سوريا؛ ليوهموا المعارضين بأنهم معهم، ثم سحبوها وقت الحاجة والجد، فتركوا من دعموهم بالأمس عراة في المعركة الفاصلة، ليعلو كعب «بشار» من جديد (رغم أنه ما علا إلا بالكعب الروسي، والروج الأمريكي، والإسدال الإيراني الفضفاض).

إخوانكم المستضعفين

الذين يأملون في أن يغير حراككم شيئًا من الإحباط والهزائم التي طالتهم وطالت أحلامهم، أولئك الذين انكسرت أجنحتهم بعدما ارتقوا في السماء عليًّا، أولئك الذين نزعت عنهم ثيابهم ليصيروا عراة، بعدما ارتدوا الحُلل، وتجملوا من أجل الاحتفال.

أخطاء ثورية

ولا تقعوا في الأخطاء الثورية التي وقع فيها من قبلكم، والتي منها:

«لا نحتاج الشيوخ».. فأنتم تحتاجون الشيوخ والشباب والنساء والأطفال، كما تحتاجون للعمال والفلاحين وعلماء الشريعة، وحتى علماء الفلك، لكن لكل واحد دوره وقدره، بلا تغول وتقديس، أو إهمال وتدنيس.

«كلنا سياسيون».. فلا بد أن تبقى قوة في الشارع محركة له، تقود الجماهير، وتلبي احتياجات الحراك، ولكن لا بد أن نعلم بأنه ليس بالضرورة أن كل من يحركون الشارع ويقودون المسيرات يصلحون لقيادة العمل السياسي، ولكن هذا أيضًا لا يعني انفراد السياسيين بالقرارات أو المفاوضات، بل الأمر شيء مشترك، فلا بد للقيادات التي في الشوارع أن تفوض أحدًا -إن لم تكن تحسن التفاوض-؛ من أجل التفاوض وقيادة المرحلة.

والتفويض وقيادة المرحلة لا يعني انتهاء دور الصامدين في الشوارع، أو تسليمهم لقرارات الذين فوضوهم أيّما كانت، فالتفويض يعني المراقبة والمحاسبة، فإن أحسن من فوضتموه تركتموه في مكانه، وإن أساء عزلتموه أو قوّمتم اعوجاجه؛ ولتحقيق هذا يحتاج المفاوض لمساحة حرة، وإلا أصبح ألعوبة في يد الجماهير، فقيادة الجماهير الهاجئة لهلاكها أمر يحسنه الطغاة، وأعوانهم العالميين، ويقدمه لهم على طبق من ذهب أولئك المغفلون الحمقى، أو المنساقون خلف الهتاف وفقط، فاحذروا!

واعلموا أن الشارع -الذي هو أنتم- عندما يراكم أحزابًا وفرقًا متشاكسة لا تصلح لشيء إلا العراك؛ سينفض عن عبثكم، وسيبحث عن الاستقرار، وتلك ورقة لو تعلمون خطيرة.

«كلنا نتحدث باسم الثورة».. إياكم والحديث الذي يكون فيه كل فرد عبارة عن رئيس جمهورية نفسه، يريد تطبيق منهجه وتوجهه، وإلا فلتذهب الثورة والثوار إلى الجحيم، ويمنع من هذا إنشاء تكتل واحد يجمع أطيافكم، يتناقش فيه أولئك الذين قاموا بالثورة والحراك مع أولئك الذين يريدون إسداء النصيحة ممن كانوا بالأمس معارضين، عجزوا عن التحرك أو قيادة الحراك، من أجل تبادل الخبرات واتخاذ القرار، وقيادة الجماهير، وليس للعراك أو إرضاء تلك الهيئة أو الدولة أو هذا المنهج أو حتى الجماهير، فالمطلوب هو الوصول لشيء قابل للتطبيق، ولا يجعل يد الثوار في فم تلك الضباع الجائعة من حولكم -وما أكثرهم-.

وسيفتح أولئك الذين يريدون إسقاط حراككم وثورتكم -التي بدأت فقط بإسقاط البشير- قنواتهم لشخوص مجهولة، يتحدثون باسم ثورتكم، وأحداث مفتلعة لتربك صفوفكم وتشرذمكم، وتظهركم أمام أنفسكم قبل أي أحد آخر، بأنكم غير جديرين بشيء إلا السوط والعصى؛ ولذا جهزوا منابر إعلامية خاصة لها أذرع في كل ولايات السودان، تحقق الخبر وترد على الشائعة بمهنية وصدق، وتحاسب من يروجونها قضائيًّا إن استلزم الأمر.

«نحن نسارع الزمن».. لا يستعجلنكم أحد في شيء، فلستم في عجلة من أمركم، واعلموا أن الثورة ما تزال في بداياتها، والثورة لا تعني الإطاحة برأس النظام، ثم الإتيان بأولئك الذين تحالفوا معه، أو قاموا بحمايته طوال 30 عامًا في الماضي، بل تعني التغيير.

والتغيير يعني تغيير النظام، وتغيير طريقة الإدارة، وطرق الحل، واتخاذ القرار، ويعني تغيير الدستور إن كان لا يصلح، ويعني التغيير في بنية الجيش قيادة وصفًا، وتعني تغيير ثقافة الجماهير؛ بتوعيتها، وتقويتها، وعدم تركها للمال السياسي، وتجار الدين، وتجار المبادئ، والمتلاعبين بحقوق الإنسان، والليبرالية، واليسارية، وحقوق العمال وغيرهم ممن يهمهم الصعود ثم البداية من حيث بدأ «البشير، والأسد» وإخوانهم في الغي حول العالم.

واعلموا أن الثورات لا تُبنى بعشرات الشهداء، أو مئات الجرحى، ولكن إن حدث وتمت ثورتكم بهذا فالحمد لله! وإلا فكونوا مستعدين لمزيد من التضحية، فلا تغيّبوا هذا السيناريو عن وجوهكم، ولا تطمئنوا لوعود هذا أو ذاك، فكل السيناريوهات تبقى ممكنة التطبيق، حتى يتم الأمر على الوجه الذي خرجتم لأجله، فكونوا على الدوام مستعدين.

واعلموا أنكم لستم إصلاحيين ولا همجيين، بل ثوار بدأتم ثورة يجب أن تجنى ثمارها، فدربوا أنفسكم والناس على النفس الطويل، وهذا يحتاج إلى خطط تعد (للآتي والقريب والمستقبلي)، والبحث عن حلفاء حقيقيين، وتوفير منافذ لا يمكن للحليف الضغط علينا بوجودها، وجماهير لا تُترك لإعلام النظام، أو أعوانه، أو المستفيدين من أشباهه حول العالم، لتأكلها ثم تأكلكم بهم.

واعلموا أنكم اليوم أقوى، وكلما بقيتم على هذا النسق والتوحد زادت قوتهم، واعلموا أن خصمكم اليوم في أدنى درجات قوته وإقدامه، وأنه ينتهز الفرصة -بل سيفتعلها إن لم يجدها- لتقسيمكم وضرب بعضكم ببعض، حتى يعود.

«إنهم يعلمون خيرًا منّا».. سيحاول المستفيدون أو المغفلون إخباركم وإخبار جماهيركم بأن السياسي الفلاني، أو العسكري العلاني، أو الشيخ الإمام، أو المفكر العظيم، أو الروائي المناضل يخاف على الدولة أكثر منكم، أو يعلم خيرًا مما تعلمون، والحقيقة أنهم لو كانوا بالفعل كذلك لخرجوا على النظام أو عارضوه بأصول وفهم وفن – وغالبهم لم يفعلوا – أما من حاول وفعل، فهل أحق بالاستماع إليه والاستفادة منه؟ لأن بعض هؤلاء كان متماهيًا مع النظام، أو من طبقة المستفيدين، فهم لم يكونوا يعدون أورادهم، أو يتلون أذكارهم وقت أن كان النظام -الذي هم شركاء في بنائه- يفعل ما يفعل بكم وفيكم، والبعض الآخر كان سكوته أولى من معارضته، إن أسمينا ما كان يفعله معارضة أصلًا.

«حان وقت تقسيم الكعكة».. وليعلم كل فصيل منكم بأنه ما من كعكة لتقتسموها، أو تفكروا في الاستحواذ على الجزء الأكبر منها، وأن التفكير في تقسيم الكعكة يجب أن يكون هو الحلم القادم بعد خمس سنوات من النجاح، وفرض مشروع الثورة على الأرض، وليس قبل ذلك بحال.

واعلموا أنه ما من أحد فيكم أعلى من أحد فكرًا، أو ذكاءً، فكلكم كنتم تتعرضون لذات الجرافات السياسية والقمعية التي جرفت السياسة من حياتكم، وشوهت الدين والمعقول في تطبيقكم، وجعلتكم تخلطون في حديثكم، واستشهاداتكم، وأطروحاتكم بين الثابت الجامد والمرن القابل للتغيير، أو بين الأصول والفروع، أو بين الثبات على المبدأ والاستفادة من مرونة الضرورة، فلم تستطيعوا التمييز بين الشجاعة والتهور، أو بين المعارضة والمناكفة، أو بين العدو والمختلف؛ لأن الذي يساعد الناس غالبًا على عدم التخبط ويعطيهم القدرة على الترجيح، ويكسبهم الخبرات السياسية وخبرات الإدارة، وملاعبة الخصوم هو تداول السلطة السلمي الهادئ الذي يؤسس لثابت (التجربة)، وما يعتريه من إخفاقات ونجاحات، تلك التجربة التي يتعرض الخاضعين لها للصعود والهبوط والسقوط، تلك التي بها ومعها يتم التقييم والشهادة لهذا الحزب، أو الفكر، أو تلك القيادة بالرجاحة أو التفاهة، والحكم لهم بالاستمرار في العطاء، أو ضرورة الإزالة مبكرًا ليراجعوا أجندتهم وأفكارهم، وهو ما لم يكن موجودًا لا في حكم «البشير» ولا من قبله، ذاك الذي حرصت الدول الاستعمارية الكبرى -التي ما تزال موجودة حتى الآن- بأطماعها وجيوشها وعبيدها، الذين ربتهم بيننا، وأصعدتهم فوق رؤوسنا بقوة السلاح، على أن نفقده، حتى يأكلنا الخلاف الجاهل والجهل المتخلف، قبل الحاكم المستبد الفاسد وجنوده.

وأخيرًا: قد مرت أمام أعينكم التجارب التي يتعلم من مثلها الجماد، فلا يفوتنكم الاستفادة منها، وكم سررت بالهتاف الذي قلتم فيه إمّا النصر وإمّا مصر؛ ذلك لأن الذي لا يرى من الغربال فهو أعمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد