أنت أمامي مدين للشعب السوداني العظيم باعتذار.. هذا الشعب ألقم كل من يزايد أو يشك في عظمته وقوته وعنفوانه وقدرته على فرض مطالبه على كائن من كان.. ألقمك وألقمهم حجرًا.

أرجو أن تكون قد علمت الدرس.

بهذه الكلمات فاجأني أخي السوداني بوضعها في منشور مستقل على حسابه بـ«فيسبوك» واضعًا اسمي على رأسه أمام الأشهاد من متابعيه. كان ذلك بعد تنحي البشير، وتولي المجلس العسكري المسؤولية. لعلك إن قرتأها تظن أننا كنا على خلافات سابقة، أو أنني استهزأت به – أو بهم – وبثورتهم، لكن في الحقيقة أنني كنت ،حذره في تعليقي على أحد منشوراته السعيدة بالتنحي من خداع المجلس العسكري، ولا أظن القارئ يستغرب شيئًا إن ذكرت له خشيتي من تكرار سيناريو مصر المؤسف راجيًا لهم التوفيق والنجاة مم سقطنا فيه.

لكن كانت المفاجأة هي رد قاس لم أعهده طوال تواصلنا وتعليقات كل منا عند الآخر. تنح جانبًا، هذا شأن داخلي، سنعلمك درسًا، الشعب السوداني العظيم، ثم لاحقًا: تفتح بؤك تاخد بالجزمة! وذلك بعد استنكاري للهجته ومحاولة إفاقته، وتوضيح حسن نيتي وحبي المعهود للسودان وشعبه والخشية من تكرار الأخطاء المعروفة كما ذكرت، ذلك وهو من شاهد نقاشات لي مع أصدقائه على صفحته، وكان دومًا مرحبًا بها وداعمًا ومشاركًا بإيجابية مفيدة، بل منتشيًا بها ومعجبًا!

ماذا تغير؟ لم لم يقبل مني النصيحة خاصة وهي في هيئة تعليق بسيط؟ كان وقت المنشور بعد تنحي قائد المجلس العسكري بيوم من تعليقي. هل غره الأمر بطلب الاعتذار مني؟ هل كان تعليقي بالفعل يفيد استهزائي بإخواني في السودان؟

(شايف ناس بتنقل وهي زعلانة كلام الجزائريين والسودانيين أنهم خايفين يبقوا زينا، على أساس إن من أول خبر عنهم احنا نفسنا ماقولناش يارب مايبقوش زينا؟).

(إحنا نكاد ندعي في صلواتنا إنهم يفلتوا من اللي حصل معانا خوفًا عليهم).

(نفسنا نفرح إن حد في المنطقة نجح.. اللي هو يارب يكون فشلنا درس تتعلموا منه فنحس أن حد استفاد شيء ولو من الفشل ده).

كانت هذه الكلمات من ضمن منشور لي في يوم كان بين تعليقي المرفوض ومنشوره المطالب بالاعتذار. شككت في نفسي حتى قرأتها حينما هاجمني، أردت أن أطمئن أني لم أفكر بما يعتقد قط قبل أن أرد عليه.

أما عن النقاش الذي دار بيننا تعقيبًا على منشوره فمخزٍ لكلينا. تحول الأمر إلى (خناقة فيسبوك) وتشخصنت الأمور، بل للأسف – وهذا سبب الخزي – تطاول كلانا على الآخر على المستوى الشخصي والوطني! لكن مضمون (الخناقة) أفاقني، ونبهني لأمر أعلمه عن إخوتنا، لكن لم أعلم في الحقيقة مدى تأثيره وانتشاره حتى بين أهل الوعي والتنوير فيهم.

إذًا فلندعنا من (خناقة الفيسبوك) الحمقاء هذه، ولنخطط سطرًا فاصلًا ولنتحدث عما هو أهم.

يحمل إخوتنا في السودان في نفوسهم خليطًا من الحزن والغضب والأسى من النظرة المتعالية لمعظم الدول العربية لهم، ولمصر نصيب الأسد من ذلك. نخدع أنفسنا إن بررنا أن ذلك فقط على مستوى الحكومات وأننا كشعوب بريئين من ذاك الذنب. بل لعل على الحقيقة أن ما يؤلم إخواننا أنهم يرون الأمر في الشعوب قبل الحكومات. النظرة المتعالية للبشرة السمراء، أو قل السوداء، والكلمة المتغطرسة التي تكرر كثيرًا في حوارات وكتب ومقالات كثير من الخبراء والكتاب والمفكرين المصريين عن تبعية السودانيين لمصر في حقبة من الزمان ولو على سبيل انتقاد عبد الناصر، بل خصوصًا ما كان على سبيل انتقاد عبد الناصر، لأن كل أساليب طرح المسألة تتحدث عن دولة تابعة لدولة بشكل يوحي بالملكية، لا كجزء لا يتجزأ منها لا نريد له الانشقاق، وليس كمواطنين مشتركين في عروبة واحدة ولهما في الوحدة حلم يدعمان به بعضهما بعضًا أو يفسدان ولو لمرة أحد مواليد سايكس بيكو من الانقسام والتشقق. أضف إلى ذلك قضية حلايب وشلاتين التي انفجرت بعد الانفصال في عهد عبد الناصر وزاد انشطارها بعد أسلوب وضع اليد الذي استعادها به مبارك بشكل مهين للسودان حكومة وشعبًا بغض النظر تمامًا عن حقيقة القضية ومن منهما أحق بها.

بوضوح نتجاهله وصراحة نهرب من ذكرها ولا نستحيي من كليهما، وهو ذنب أعظم نرتكبه في حق إخواننا، لم ولا يرى إخواننا شاشتنا تظهر أطباء السودان ولا أدباءهم ومفكريهم وسياسييهم كما تُظهر ذلك الطيب المتسامح الساذج واقفًا أمام مدخل العمارة. كأن هؤلاء لم يختاروا بإرادتهم الوحدة مع مصر تحيزًا لمحمد نجيب، كابنهم الذي ولد في السودان، ثم الانفصال عن عبد الناصر في مشهد تاريخي عظيم بالنسبة لهم مرير بالنسبة للعروبة مستحق بالنسبة لقابيل الحكم العسكري الذي أفسد أمور البلاد داخلها وخارجها.

ثم أصابهم ما أصابهم، فلم يجدوا صداه في أي من البلاد العربية. معظم العرب ، وأنا منهم، لا يعلمون عن مآسي السودان شيئًا سوى كارثة الانقسام ودارفور. في حين أن الحكومات العربية مشاركة في ذلك إما بالتخاذل وإما بالتواطؤ. يفرح السودانيون كثيرًا لو حدثتهم عن قضاياهم ولو بشكل سطحي، كأن طفلًا افتقد كلمة ودودة من أمه المهملة. حدثه عن الطيب الصالح أو ذلك البيت الشهير لإدريس جماع، سيسعد كثيرًا حتى ولو رأى أنك سطحي المعرفة بالأدب والشعر والفن السوداني، فأنت أصلًا من القلة التي تعرف شيئًا عنهم، أو بمعنى أوضح وأصرح، من القلة التي تكترث لهم.

أشدد سطرًا آخر..

تأخرت الثورة السودانية عن الربيع العربي كثيرًا، لكن لعلها استفادت من ذلك بمعرفة الدروس المؤلمة منها. وتعتبر هذه نظرة قاصرة يرفضها السودانيون، فهناك فوارق بين وضع السودان وسائر دول الثورات، فقد جربت على سبيل المثال الحكم الإسلام وعكسري قبل مصر، ورأت كيف أقصى الجيش ما سواه عند أول بادرة خلاف.

وبدون مواربة، ينظر السودانيون لثورتهم كفرصة لإثبات أنهم شعب متميز وعظيم، فرصة لكسر نظرة الشعوب العربية الأخرى لهم كشعب غير واعٍ أو متعلم أو لا تصلهم كهرباء المنازل! وهكذا يرفض الكثير منهم أي نصيحة من هؤلاء الذين لم يكترثوا لهم تعاليًا وبالكاد يعلمون شيئًا عنهم، ويرون نجاح ثورتهم راية نصر لوعيهم المظلوم عربيًا واستردادًا لمكانة جديرة بهم قد افتقدوها بين الشعوب العربية وعلى يديها لا يد حكوماتها فقط.

هذا الشعب ألقم كل من يزايد او يشك في عظمته وقوته وعنفوانه وقدرته على فرض مطالبه على كائن من كان.. ألقمك وألقمهم حجرًا.

هكذا رأى صاحبي ثورتهم.. درسٌ وحجر تلقمته أنا والمزايدين عليه والمتشككين في وعيه. جرحٌ غائر من إخوانهم العرب آن أن يندمل وترتفع رؤوسهم ليشعروا بالندية بعد أن رأوا طوال سنين نظرة إخوانهم لهم كشعب عربي من الدرجة الثانية أو الثالثة. وأشعر، رغم غضبي منه حينها، أنه على حق.

أشدد سطرًا أخيرًا..

(أخبار صاحبك السوداني إيه؟).

رسالة في صباح باكر من صاحبي المصري الذي قصصت عليه ما تم بيني وبين صاحبي السوداني. سألته ما الداع إلى سؤاله، فأخبرني بفض اعتصامهم. كان حزينًا لكنه أبدى انحيازه لي ضد نظرة الآخر المتعالية لتوقعاتنا. لكن الأمر كان مختلفًا بالنسبة لي، كأني اتخذت موقفه ضدي، تعجب صاحبي المصري لرد فعلي الرافض لطريقته في طرح الأمر، وجب علي أن أذكره أن صواب صاحبي السوداني يعني النجاح الأعظم لأحد الشعوب العربية في نضالها، وخطأه يعني انهيار كل شيء، وضياع كل أمل لانتصار الوعي وانطفاء كل بارقة له. اتفق معي دون جدال، الحق لا جدال فيه بين راغبيه. كان أول ما أسرعت في البحث عنه هو مدى قدرة العسكر على الاستمرار في ذلك القمع، وكأنما عادت روحي من غرغرتها حينما قرأت لبعض متابعي الشأن السوداني أنهم لا يملكون القوة الكافية للسيطرة بنفس الأداء الدموي العنيف.

نحن – العرب – بالفعل مدينون للشعب السوداني بالاعتذار عن سنوات من التعالي والنسيان والتجاهل والتشكيك في وعيه. ولا شك أن الشعب المصري أكثر المدينين بذلك لإخوانهم. لكن على إخواننا تجاوز الأمر، وفتح الصدور وشرحها لكل الشعوب التي تنتظر نصركم بفارغ الصبر محيية ومشجعة وداعية. عليهم أن يعلموا أن كل محب للعدل، مقدر للحرية، متبع للقيم، يتمن لو تنجح الإرادة الشعبية السودانية الواعية في فرض رغباتها وقهر أعدائها في الداخل والخارج ودحض حجج الساعين لتشويهها.

أسعدونا بنصركم فقد طال الحزن علينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد