إن ما يعرفه القارئ العربي عن الأدب السوداني قد لا يتجاوز في كثير من الأحيان إسهامات عبقري الرواية العربية الطيب صالح في حقول الأدب من روايات وقصص قصيرة، لكن الأدب السوداني في مجمله لا يتوقف عند هذه الأيقونة الثقافية الوازنة، وينتج آلاف الأعمال كل سنة، غير أنها لا تحظى بنفس الاهتمام الذي قد تحظى به مثيلاتها من الأعمال الأدبية العربية.

فالسودان وعلى الرغم من كونها بقعة أرضية متخاشعة خلف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلا أنها شكلت بيئة خصبة لشياطين الإبداع، وأرضًا زاخرة بالموضوعات. بدءً بتوالي الحروب والأزمات والنكبات التي تنتج عنها، والتعددية العرقية والدينية وانتهاء بانتشار طرائق التصوف والدروشة على اختلافها. كل ذلك تحتضنه السودان بكرم بالغ، تمسح دموعها ودماءها بأمل خافت طمعًا في غد أفضل؛ ليأتي الأديب الذي يرفض أي شكل من أشكال التصالح مع الواقع، ينكأ بقلمه جراح المدن والأرض والناس، ويعيد تشكيل المعنى بعد أن يفرغ من مهمته الإنسانية النبيلة التي لا يغيب عنها الانتصار للضحايا والانتفاض في وجه جلاديهم.

وهذا ما تؤكده العديد من النصوص السردية السودانية الحديثة، التي تباغت القارئ بغناها وتنوعها الديني وتعدديتها الاثنية وكثافة أحداثها والحبكات العبقرية التي تُواشج كل هذه المكونات في توازن تام. لدرجة قد يعتقد معها القارئ أنه أمام عمل من نسج خيال الكاتب فقط، في حين أن كل تلك الموضوعات والمكونات، بالرغم من غرابتها، فهي حقيقية جدًا وواقعية، لا يجد الكاتب معها سوى أن يعيد ترتيبها بحسب ما يتناسب ورؤيته للنص الإبداعي الذي يسكنه. إذ نجد أن روايتي (شوق الدرويش) و(مسيح دارفور) تتركان لدى المتلقي انطباعات عميقة لا تخلو من الدهشة، وكأنهما قطعتان نفيستان سقطتا من عالم آخر.

شوق الدرويش.. طعم الحب في رائحة الموت والحرب

ما كان يئن. ولا هرب من أوجاعه بالغيبوبة. ما كان بداخله من وجع حماه من كل وجع آخر.

بهذه العبارة يصف حمور زيادة ألم بخيت منديل بطل روايته، الألم الذي يفوق القدرة البشرية على التحمل؛ فالعديد ممن شاركوا بخيت العذاب بالسجن نفسه، توفوا بعد فترة قصيرة ؛ لكن بخيت ظل حيا… وكأنه تجرد من الجسد، أو أنه على الأقل لم يكن يعبأ لكل أشكال التعذيب الجسدي التي طالته، وهو منهمك باجترار الألم الذي تسبب في نزيف روحه وقلبه معا. وقد تمكن بالفعل هذا الجسد الواهن والضعيف والمحمل بأنواع التعذيب والإهانات من الوقوف مرة أخرى، مانحا صاحبه إمكانية البدء في رحلته نحو الانتقام مباشرة بعد سقوط مدينة المهدية وخروجه من الأسر.

 النار والدخان في كل مكان
النار والدخان في قلبه
سقطت مدينة المهدي

ليكون سقوط مدينة المهدية ونهايتها هي الصورة التي اختارها الكاتب لتكون بداية روايته، مبتعدًا بذلك عن البدايات الكلاسيكية التي يطبعها الهدوء أو التي يختار لها أصحابها تحميلها مهمة التعريف بالشخوص بتدرج. نجد حمور زيادة بالمقابل لا يخشى الصدام مع القارئ، ويقحمه مباشرة في القصة مند الصفحات الأولى، ليستمر فيما بعد باستحضار التفاصيل الهامة في محطات شخصياته من خلال استخدام تقنية الفلاش باك.

وبالرغم من أن رائحة الموت والدم والدخان تكاد تطغى على معظم صفحات الرواية، إلا أن عبقًا عجيبًا يأبى إلا أن يغلف تلك الرائحة ويفوح عبر الرواية مانحًا إياها بعدًا آخر، إنه ذلك النسيم الهادئ الذي ينتشر عبر الحب الذي يحمله بطلنا تجاه ثيودورا اليونانية التي دخلت السودان مع بعثة دينية أرثودوكسية، والذي لم ينضب حتى بعد وفاتها ليظل طيفها مرافقًا له ومؤنسًا لوحدته وشاهدًا على عذاباته. هو الحب الذي يعتمل في قلب مريسيلة تجاه بخيت إذ لم تدخر جهدًا في مساعدته على تحقيق رغبته في الانتقام، بالرغم من أنها تكره تلك الأجنبية التي سرقت لبه ولا تكف عن لعنتها سرًا وجهرًا مرددة: (يلعن دين بنت النصارى). هو الحب الذي يكنه يوسف أفندي تجاه ابنة عمه، وهو أيضا ما جعل الشيخ الدرويش الحسن الجريفاوي يتراجع عن الوعد الذي قطعه بقتل بخيت انتقامًا لموت التاجر، ما إن عرف قصته ولمح في عينيه طيف الحب الذي اضطر الحسن نفسه إلى التخلي عنه في سبيل تلبية الدعوة المهدية.

عجلت إليك ربى لترضى، عجلت إليك ربى لترضى، عجلت إليك.. وتركت فاطمة ورائي.

من جانب آخر، نجد أن الرواية تتضمن جزءًا هامًا من التاريخ الكولونيالي للسودان، فهي تتناول فترة ما بعد الثورة المهدية لتصفية الاستعمار التركي وبداية الاستعمار الإنجليزي، وهو ما جعل خطاب الآخر الكولونيالي حاضرًا بقوة، سواء من خلال الحملات التبشيرية ومهمة التنوير وتمدين الشعوب البربرية المتخلفة في نظر المستعمِر، أو من خلال الاستعباد والاستغلال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والجنسي الذي ينهجه هذا الآخر الأبيض تجاه الإنسان الأسود. والذي يمثل له بشكل أبرز الأوروبي الذي اشترى بخيت لأول مرة بقروش قليلة من سوق النخاسة، وقد كان لايزال طفلًا آنذاك، واصفًا إياه بالقرد القبيح (انت حبيبي الزنجي، أنت عبد قبيح).

ثيودورا نفسها معشوقة بطل الرواية الذي آثر قطع رؤوس بني جلدته عقابًا لهم على ما ألحقوه بها من أذى، نجدها تمتنع تمامًا عن التطلع لبخيت في منأى عن لونه، وترفض مرارًا طلبه بالزواج منها مخافة أن تنجب أطفالًا سود، مكتفيه باعتباره أخاها الأسود، نفس النظرة كذلك كانت تسقطها على معظم من التقت بهم في أم درمان أو الخرطوم فنجدها قد انصرفت إلى اتهام خادمة سوداء بسرقة صليبها دون أن تعترف الخادمة بذلك أو أن تثبت عليها السرقة. وتظل هذه النظرة الدونية والاستعلائية تجاه السودانيين هي السائدة لدى الآخر الكولونيالي بمن فيهم ثيودورا كذلك، بالرغم من كل الصداقات التي ربطتها وكل الوقت الذي مضى على تواجدها بالسودان.

لكننا نجد بالمقابل التفاتة طريفة لتمثل المستعمَر حول المستعمِر، وهو أمر غير مألوف في معظم الأعمال الأدبية الكولونيالية. فنكتشف أن نظرة الأسود للأبيض لا تخلو بدورها من الشعور بالقرف؛ مما قد يغمر القارئ بالأسئلة ويدفعه للتفكير في الجانب الآخر للحركات الاستعمارية. إذ لطالما كره بخيت العرق الأبيض واستغرب كيف حرمهم الله اللون وابتلاهم بالبياض لتكون (أجسادهم مسلوخة تكسوها حمرة، وأعينهم كقطط خبيثة، ورائحتهم نحاس صدىء).

أما بالنسبة لما يتعلق بالبنية الروائية لهذا العمل، فيظهر جليًا أن حمور زيادة قد برع في اختيار نصوص متعددة ومتنوعة ساهمت في إغناء الوعاء اللغوي للرواية، وجعلت من البنية الخطابية للنص الواحد نافذة للعديد من النصوص المختلفة التي تتفاعل فيما بينها من خلال اشتغاله على متناصات تاريخية وأدبية وصوفية معًا. فنجده قد ضمّن إلى جانب الخطاب المابعد كولونيالي، بنية صوفية واضحة، لم تعق تشكيل النسق اللغوي للرواية، وإنما أضفت نوعًا خاصًا من السحر على العمل الروائي، فكانت وقفات التأمل والفلسفة الصوفية وصوت الحكمة الذي يتخلل الرواية والاقتباسات من القرآن أو الإنجيل وأشعار الحلاج وابن عربي، إضافة بالغة البهاء وفسحة للقارئ كي يغوص في أعماق كينونته ويسبح في كنه علاقته بالنفس والغير والله، فضلًا عن القاموس اللغوي الغني الذي استخدمه الكاتب والأساليب الدلالية والجمالية المتعددة التي تتماهى والموضوعات المضمنة في الرواية، فاللغة هنا ليست رتيبة جافة تنتهي مثلما بدأت، بل إنها تتلون وتتنوع بحسب المحكي، لتصبح لغة شعرية عند الوقوف على القيم الإنسانية كالحب والايمان، وأحيانًا يطغى عليها طابع الجدية والصرامة عند الحديث عن الحرب والطغاة والمستعمر، وأحيانًا أخرى تصير لغة واصفة للأماكن والأشخاص والروائح وحتى أنواع العذاب التي تلقاها المساجين.

ثنائية الجمال والبشاعة في مسيح دارفور

يقول الكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن في أحد حواراته التلفزيونية: (أنا كاتب منحاز لا أعرف الحياد. والمحايد مع الشيطان… المحايد مع القتلة)، والشيطان هنا ليس شيئًا آخر غير الجنجويد، لذلك فهو من هذا المنطلق لا يجد للجنجويد في روايته توصيفًا آخر غير البشاعة، هذه الكائنات المتوحشة والمفرغة من طابع الإنسانية، تسير في الأرض فقط لتأكل وتغتصب النساء والأطفال وتنهب وتذبح بأبشع الطرق.

مما يجعل من فكرة المهدي المنتظر في العقل الجمعي السوداني فكرة الخلاص الأبدي من عبث الجنجويد، هذا المهدي الذي سيوحد البلاد ويستأصل الظلم وينتصر للفقراء. هي فكرة تتعاظم لدى المخيلة الشعبية السودانية وتدفع بالكثيرين لادعاء النبوة أو تقمص شخصية المهدي المنتظر. وهي كذلك ذات الفكرة التي انطلق منها الكاتب ليؤسس لشخصيات عمله الروائي، مستبدلًا المهدي بالمسيح عيسى (ابن الإنسان وليس ابن الله).

فقد اختار عبد العزيز بركة ساكن للمسيح أن يحط رحاله بمدينة دارفور السودانية، وأن يكون ادعاؤه للنبوة منطلقًا لأحداث الرواية. وجعل من إشكالية الهوية السودانية محورا هاما داخل الرواية، إذ اشتغل على الصراع بين الحكومة الممثلة في الجنجويد والمجندين بالخدمة الإلزامية والمجاهدين؛ وبين الشعب المتمثل في السكان الدارفوريين على اختلاف انتماءاتهم الإثنية والدينية، بالإضافة إلى المسيح كذلك. ثم جعل من هذا الصراع ثيمة عمله الروائي.

و بما أن الجوع يولد الوهم، فإننا لن نستغرب من اليقين الأعمى والإيمان والمبايعة التي لقيها مسيح دارفور على أيدي ضحايا الحرب. ففي رواية عين الفرس للأديب المغربي الميلودي شغموم نجد أن الشخصيات تأثرت بفكرة وجود أطباق (البسطيلة) و(المشوي) في عمق البحر وهو ما جعل الكثيرين منهم يقضون غرقًا.

عبد العزيز بركة اشتغل كذلك على التجريد المعرفي لثنائيات مفاهيمية متعارضة في ظاهرها، وذلك بغرض تفكيكها وإعادة تحديد معناها وفق رؤية شمولية. وهي إحدى أهم الممارسات التي يدعو لها جاك دريدا من خلال عملية الإزاحة الفكرية للثنائيات الميتافيزيقية التي تعمل على الغوص في أعماق المفاهيم المتداولة مجتمعيا والتي تكتسي طابع اليقينية وغالبًا ما تحمل مدلولات أحادية، لينتقل إلى تجريدها من الآراء المسبقة وإعادة تشكيلها مع جعلها علامة مفتوحة على مدلولات متعددة، لينتهي إلى إبراز العلاقة الباطنة بين هذه الثنائيات إذ تتقاطع عند نفس النقطة فيصعب حينها التمييز بين المفهوم ونقيضه.

إذ نجده إلى جانب ثنائية الجمال والبشاعة، قد عمل على ثنائية الدين والكفر أيضًا، ذلك أن الرواية زاخرة بإشارات توحي إلى أن الكفر هو نفسه الإيمان، مثلما جاء على لسان مسيحه مرة:

 الكفر يا أحبائي درجة بالغة التعقيد من الإيمان

ليعرج على ثنائيات مفاهيمية أخرى من قبيل الثقافة والمجتمع، ويتطرق لها من خلال شخصية إبراهيم خضر إبراهيم، الشاب المثقف الذي تم إجباره على الخدمة العسكرية فوجد نفسه مدافعًا عن إيديولوجيات لا يؤمن بها. بالإضافة لثنائية الحب والكراهية، والتي نجح من خلالها في إرباك القارئ وجعله عاجزًا عن التمييز بين مفهومين لطالما جزم أنه محيط تمامًا بمعناهما.

وعرفوا فيما بعد أن الحب والكره يجريان بذات الشريان، ويسقيان ذات الحقل، وعرفوا أن من يحب كمن يكره؛ يختلط عليه الأمران، ولا يعرف أيهما خيره وأيهم شره، وقد يقبل أصبع الشيطان ظانًا أنها شفة محبوبه.

يظهر إذًا أن عبد العزيز بركة قد استطاع أن يطرح بجرأة وذكاء اسئلة فلسفية عميقة على بساطتها، تنطلق من الواقع المعيش للساكنة الدارفورية على وجه التحديد لتلقي بظلالها على أنساق مفاهيمية أكبر، وتطرح قضايا إنسانية كونية لا تنحصر في حدود السودان فحسب. غير أنه لا يظهر للقارئ ثقل هذه العملية، ويدرج ذلك بسلاسة ومرونة لا تعيقان خيوط السرد وكأنها فعل فكري عفوي.

من جهة أخرى، كان من اللافت للانتباه أن يعمل الكاتب على الجسد بلغة جريئة غير آبه لما سيقابله به المجتمع السوداني المحافظ. مكسرا بذلك بنية الطابوهات المجتمعية، خاصة في ظل الرقابة المفروضة على المشهد الأدبي بالسودان والتي لازالت تعتبر الجسد أحد محرمات الكتابة الأدبية، مما جعل تهمة خدش الحياء العام ملاحقة له حتى اليوم.

فقد كان شجاعًا في كشف المغامرات الجنسية لعبد الرحمان التي لم تجد حرجًا في استخدام جسدها لإغواء الجنجويد واقتيادهم إلى منفاهم الأخير في هوس غريب بلغ ذروته مع رغبتها في أكل أكباد ضحاياها بعد قتهم. هذا ما آلت له الفتاة اليتيمة التي تم العثور عليها أسفل جثتين متحللتين وحين سئلت عن اسمها أجابت: عبد الرحمان؛ فتمت تسميتها كذلك. وحتى العناية التي أولتها لها العمة خريفية التي تبنتها لم تسعفها يوما في نسيان ما فعله الجنجويد بها وبأهلها وأقاربها، لذلك ظل الحقد الذي تكنه بداخلها يكبر معها ويدفعها إلى الانتقام مستخدمة ذات الجسد الذي استباحه الجنجويد.

وجبت الإشارة إلى أن اللغة التي عمد بركة ساكن إلى استخدامها، هي لغة سلسة تتدفق بانسيابية فتتيح للراوي العليم بمجريات الأحداث وتفاصيل الأشياء، الانسحاب بخفة وإفساح المجال لصوت الشخصيات كي يرتفع من حين لآخر، معبرًا عن آراء الشخصيات وأفكارها وخلجاتها. دون الوقوع في الخلط بين هذه الأصوات إذ إن الكاتب ربط بين جل شخصيات الرواية بشكل أو بآخر، انطلاقًا من شكيري توتو كوه، وانتهاء عند مريم المجدلية. بالإضافة إلى الوصف المكثف والدقيق للأمكنة والزمن والرائحة وكذا الشخصيات، سواء على مستوى المظهر الخارجي أو المستويات النفسية التي يتنقل عبرها ببراعة، فضلًا عن استخدامه مكون الغرائبية في السرد منطلقًا من الواقعية السحرية التي تطبع السودان، وهو ما ينعكس  على الكتابات السودانية بصفة عامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات