خرج أحمد من منزله عند الساعة الثالثة فجرًا بعد إلحاح والده عليه بالذهاب باكرًا للحاق بصف المخبز في الحي المجاور؛ وذلك لعدم توفر الخبز في كل المخابز القريبة، بعد تذمر خرج أحمد بعد أن نظر إلى المرآة في باب غرفته وصفف شعره للمرة الأخيرة قبل أن يخرج، ما إن وصل المخبز حتى تفاجأ بوجود نصف المدينة قد سبقه إلى هناك وكلٌ قد التزم مكانه في الصف، مع انعدام حظوظه في ظل وجود كل هؤلاء الجوعى على شباك المخبز آثر أحمد الجلوس في آخر الصف ليحظى بعشرين قطعة خبز ليرجع فرِحًا للسيدة مي والدته التي ستستقبله استقبال الأبطال الفاتحين إذا عاد حاملًا الخبز اليوم.

مرت خمس ساعات على جلوسه في صف الخبز، ولم يحدث شيء للصف بعد قدوم كل الحارات المجاورة للوقوف في صف الخبز الوحيد الذي يعمل لعدم توفر الدقيق، مع انشغال أحمد بتنظيم الصف مع رفاقه من لجان المقاومة والتغيير والخدمات ومساعدة جارته ست النفر التي أتت هي وجارتها الحاجة حليمة للوقوف في الصف، رغم بلوغهن الثمانين عامًا وذهاب قوتهن، أتين تسند إحداهن الأخرى لأن احتمالية موتهن جوعًا إذا لم يجدن خبز اليوم تفوق احتمالية موتهن وهن على صف الخبز بكثير، في ظل انشغاله بمساعدتهن تفاجأ أحمد بأفراد يرتدون الزي الرسمي للشرطة السودانية يحملون هراوات وسِياطًا وعصيًّا وأمواس حلاقة ويتجهون نحوه، ليقين مروان التام بعدم ارتكابه لأي جُرم وقف شامخًا أمامهم ولم يهرب.

ما إن وصلو إليه حتى مد أحد الجنود يده يتحسس شعر أحمد، ولمس شعر الرجل يحمل دلالة سالبة في الموروث الشعبي السوداني وهي من علامات الاحتقار والتقليل من شأن الرجل كما يقول المثل الشعبي «من هبش شعرك»، رغم اعتراض أحمد أصر الجنود على أن تصفيفة شعره غير مناسبة ولذلك تقرر حلق شعره بهذه البساطة، وعندما رفض حلاقة شعره ضربوه ورفعوه في سيارتهم  ثم تحت التهديد حلقوا شعر رأسه كله إذلالًا له، بعد انتظار ثماني ساعات هرولت السيدة مي نحو باب المنزل بعد أن رن جرس الباب ظنًّا منها أن أحمد قد عاد أخيرًا بالخبز ولكنها ما إن فتحت الباب حتى وجدت ابنها الأصلع واقفًا أمامها يشرح لها كيف أنه اضطر لحلاقة ما تبقى من شعره في صالون الحلاقة بنقود الخبز، والتي كانت آخر ما يملكون.

رغم انقضاء أكثر من سنة على تولي حكومة الثورة للحكم في السودان، ورغم اتفاقية السلام التي جرى توقيعها حديثًا، فإنها فشلت في توفير أبسط احتياجات السودانيين من خبز وغاز للطبخ ووقود للسيارات، ورغم تراكم خيبات الأمل وفراغ جوف المواطن من قطعة خبز فإن الحكومة قد وجدت حلًّا أخيرًا لكل مشكلاتها الاقتصادية، وذلك عن طريق تبرعها بتصنيف أنواع قصات الشعر التي تناسب الشباب تمامًا كما يفعل ديكتاتور كوريا الشمالية، والذي لا يعترف بغير قصة شعره الوحيدة المسموح بها في البلاد، وقريبًا قد يخرج قانون يلزم الشباب بحلاقة شعرهم حمدوك فقط مثل قصة شعر كيم في كوريا.

بهذا التصرف تفقد الحكومة أي سند ودعم كانت تحظى به من الشباب، إن تصرف الشرطة الخاطئ لا يمكن أن يصنف على أنه تصرف أحادي من وزارة الداخلية أو شرطة العاصمة إذ إن كل المنظومة الأمنية تخضع مباشرة لمكتب رئيس الوزراء وهو مسؤول عنها مسؤولية مباشرة بنص الوثيقة الدستورية، ولكن إذا وجدت الحكومة حلًّا لمشكلاتها الاقتصادية عن طريق إذلال الشباب وحلق رؤوسهم، فلتحلق الشعب كله لتعم الفائدة ويعم الرخاء ويتوفر الخبز.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد