البعض يُبسط الازمة السودانية على انها ثورة جياع فقط مطلبهم الخبز وبه تنحل المشكلة. هولاء هم البُسطاء لان مشكلة السودان لسيت اقتصادية

الخبز والوقود وأزمة السيولة في البنوك فجرت ثورة كانت مخبأة في نفوس الشعب السوداني الصبور الذي كان يعاني وما زال من ضغوطات الحياة طويلًا ويحتمل ضنك العيش، وهم يرون القطط السمان تأكل أقواتهم وأرزاقهم، وشعارها لكم نعيم الأمن والأمان ولنا الباقي.

خرجوا مطالبين بالحرية وكرامة العيش، ولسان حالهم يقول نريد بلدًا ننعم فيه بالأمان ولقمة العيش الكريمة، يحلمون بفجر خلاص من الفقر والقهر والذل والطغيان. خرجوا ثائرين يسطرون أروع الملاحم في عطبره والقضارف وبورسودان وباقي المدن، يحركهم دافع واحد هو إسقاط النظام.

لم يفهم النظام كعادة الأنظمة القمعية الرسالة ورد بقمع المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع تارة وبالسلاح والذخيرة الحية تارة أخرى. أرادوا إسكات أصوات المتظاهرين بقتلهم وتخوينهم وحتى تكفيرهم، أرادوا أن يقتلوا الضمير الحي فيهم ولسان الثوار يردد: يومًا ما سيلتقي جيل البطولات بجيل التضحيات سيلتقي كل شهيد قهر الظلم ومات بشهيد لم يزل يبذر في الأرض بذور الذكريات. ذكريات الانتصار على نظام القهر والطغيان لأن النظام يومها سيصبح في عهد النسيان حينما تشرق الدنيا بفجر الحرية.

البعض يُبسط الأزمة السودانية على أنها ثورة جياع فقط مطلبهم الخبز وبه تحل المشكلة. هولاء هم البُسطاء لأن مشكلة السودان لسيت اقتصادية بالدرجة الأولى إنما هي مشكلة سياسية بحتة، وأزمة سياسيين يسكن ويعشعش فيهم الفساد. البشير والنخبة الحاكمة استفردوا بحكم السودان ثلاثين سنة ولم يزيدوا في السودان شيئًا، بل خربوا مؤسساته وشتتوا أهله في أصقاع الأرض وقسموه تقسيمًا.

انفصال الجنوب كان بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، بانفصال الجنوب خرج 80% من مواد السودان النفطية، مما سبب خللًا كبيرًا في الميزانية العامة للدولة. هذا الخلل سبب مشكلة في الحصول على النقد الأجنبي وأزمة سيولة بنكية مفرطة، أدت في النهاية إلى ارتفاع نسبة التخضم لتصل 70% لتكون الأعلى في تاريخ السودان الحديث. أما في ما يخص الفساد الإداري، احتل السودان مرتبة متقدمة في قائمة الدول الأكثر فسادًا في العالم، هذه المؤشرات تسببت في هروب المستثمرين من السودان، نتج عنه عدم ثقة دولية في السودان ومؤسساته الاقتصادية.

بالإضافة إلى ذلك، الحروب والانفلاتات الأمنية التي كلفت السودان أموالًا طائلة من غير نتائج مذكورة عدا الدمار في الأرواح والبنية التحتية. حروب وأزمات أمنية واقتصادية في الداخل، قتل من قتل في دارفور، جبال النوبة، والنيل الأزرق بسبب أو من غير سبب، انفصال الجنوب وانهيار في الاقتصاد وارتفاع في نسبة التضخم والبطالة وسط الشباب. مع كل هذا والرئيس يطالب بتغيير الدستور حتى يسمح له بالترشح مجددًا في انتخابات 2020، وكأن الغاية والهدف الأوحد هو أن يبقى النظام والرئيس محتفظين بكراسي الحكم حتى ولو جلسوا على جماجم الشعب السوداني كله إلى الأبد.

الصور الخارجية للسودان شوهت في عصر البشير تارة توصف الدولة السودانية بدعم الإرهاب وإيواء الإرهابين، وتارة أخرى بالتسول في مآدب الدول الخليجة والدول الكبرى. من أجل التسول والارتزاق أصبح الشعب والجيش السوداني مرتزقة في اليمن على أيدي الإماراتين والسعوديين، رموا بفلذات أكبادنا في آتون حرب لا ناقة لنا بها ولا جمل. أصبحنا لا نرى السودان في المحافل الدولية إما بسبب مواقفنا السياسية غير المتزنة أو بسبب رئيسنا المطلوب دوليًا. رئيس يفر منه القادة والرؤساء خشية أن لا تلتقطهم الكاميرات مع رئيس متهم بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، فيحاسبوا عليها أمام شعوبهم الحرة.

بات الشباب السوداني يدفع حياته ثمنًا من أجل الخروج من السودان، وهو يطمح أن يبني حياة أفضل في مكان آخر غير وطنه لأن وطنه مسلوب منهوب من قبل عُصبة من السياسيين. خرج الشباب السوداني في المظاهرات من أجل استرداد حقوقه وكرامته وأيضًا من أجل أن يعيش في وطن لا منهوب ولا مسلوب، وطن حر يجدون فيه كرامة العيش وبصيصًا من الحرية. خرجوا ضد السياسيين الذين سلبوهم أقواتهم وأرزاقهم، خرجوا من أجل التغيير وبناء وطن جديد يسع الجميع، حالمين بيوم ما سيأتيهم فيه فجر الخلاص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد