انتصرت إرادة الشعب السوداني في تحقيقه لثورته المجيدة ثورة 19 ديسمبر (كانون الأول) التي ستكتب على دفاتر التاريخ الناصع البياض، أن في مثل هذا التاريخ قد تدافع العديد من أبناء الشعب السوداني الشرفاء إلى الشارع منددين بحكم العسكر الذي استمر ما يقارب 30 عامًا تجرع من خلالها ويلات الحروب والانقسام في التركيبة الاجتماعية إذ انتشر الفساد والاستبداد والمحسوبية في عهد ازداد فيه الغني غنى والفقير فقرًا.

لم تأت الثورة إلا نتاج تراكمات استمرت سنين عددًا كما العهد بالثورات والانتفاضات أنها تأتي بعد عسر لتبشر بيسر، التغيير الذي يعكس مدى مرارة سنوات الذل والهوان التي أصابت الشعب السوداني الذي عرف عنه أنه شعب معلم قد يستكين وقد يصيبه ما يصيبه من ضعف ولكنه كطائر العنقاء يُبعث من جديد ثائرًا في وجه الظلم والاستبداد.

لم تأت (تسقط بس) وليدة لحظة ولكنها تعكس سقوط النظام المكابر كل مرة ظن فيها أنه باق ويتمدد حتى أصابه ما أصابه من غرور وفرعونية صارخة لا يتوانى عن التصريح بها جهارًا قادة النظام الساقط، لم تكن رمزية السقوط فقط في رؤوس النظام ومنظريه والمناكفين عنه في الحياة السياسية ولكن رمزية السقوط أنه بسقوط النظام سقطت معه تلك المنظومة الكاملة من مناهج وتعاليم كانت خصمًا على السودان، ربما في حينها كانت صادقة وتبشر بخير كثير ولكن كحال أي منظومة لا تسلم من فساد ومطامع مما ينتج عن ديكتاتورية لا ترى إلا بعينها فقط ولا تستجيب النصح.

كل هذه الأمور جعلت الشباب السوداني المستهدف الأول من النظام الساقط الذي حورب ومنع من الحقوق والحريات وممارسة الديمقراطية والحياة الكريمة يتداعى إلى الشارع محتجًا ومنظمًا للمظاهرات السلمية التي كانت نهجه الذي وصف بالحضاري وبقيادته التي تمثلت في تجمع للمهنيين استطاع أن يحشد وينظم، إذ بدت هذه الاحتجاجات أكثر تنظيمًا وإدارةً من الأعوام السابقة، وقد وصلت أوجها في السادس من أبريل (نيسان) والدعوة إلى الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة، هذا الاعتصام الذي شهد تدافعًا وتوافدًا منقطع النظير في حشود كانت هي الأكبر من حيث عدد المشاركين رغم ما لاقته من كبت ومحاولة فض وصلت إلى وقوع إصابات وشهداء، إلا أن مطالب الشباب والثورة كانت أقوى، واستمر الاعتصام حتى انحازت له قوة من الجيش تحميه مما يعد تمردًا كاملًا على التعليمات العليا التي يئست تمامًا إلا من بعض مناوشات من هنا وهناك للجيش مع قوى الأمن التي تحاول دخول أرض الاعتصام وفضه بالقوة مهما كلف الأمر ولكن الجيش دومًا كان لهم بالمرصاد.

تواصل الاعتصام كما تواصلت معه تلك القيم الجديدة التي اكتسبها الشباب السوداني الذي استطاع أن يؤسس لمرحلة جديدة قوامها الوعي السياسي والوعي الاحتجاجي الحضاري في عملية ثورة تدرس للأجيال القادمة تاريخًا ناصعًا كتبه البعض بدماء الشباب الغالية وبتضحياتهم ليكتبوا حياة جديدة لسودان جديد يكون الشباب هم معاول البناء والتأسيس للحياة السياسية المستقبلية.
من أجل ذلك وجب على الشباب السوداني أن يعمل على رؤى جديدة للسياسة التي كانت سياسة من أجل السياسة فقط لا من أجل سياسة منهجية تؤسس لإصلاح وتجديد في معين الحكام وتشريع لقوانين ودساتير جديدة خلاف القديمة التي لا تلبي حاجات الحياة السياسية الآن التي كانت نتاج ثورة كاملة الدسم.
لا يجوز أن نقول أن الثورة جاءت من أجل اقتلاع النظام فقط ولكنها ثورة ضد كل قديم، ينبغي أن تكون ثورة ضد كل الأحزاب السياسية التقليدية القديمة أو أحزاب الوراثة، وهنا لا أعني اقتلاعها ولكن تجديد دمائها بالشباب ليصبح العنصر الفعال في وضع واتخاذ القرارات داخل تلك المنظومة الحزبية التقليدية الوراثية التي تمارس عليها سلطة الإمام أو الشيخ أو السيد الأبوية ديكتاتورية عمياء إذ لا رأي فوق رأي رئيس الحزب.

التكوينات السياسية الشبابية الجديدة قد تتأرجح ما بين قوى اليمين واليسار مما يعني ظهور تدافع فكري يثري الحياة السياسية عقودًا من الزمن، فكل تنظيم ينطلق من حيث كونه متأثرًا بتنظيم سابق تمرد عليه شبابه واستطاعوا أن يتجاوزوا سلطته إلى سلطات أوسع وبراحات فكرية دون تقييد وتولى زمام القيادة والمبادرة.

ليست هذه تنظيرات متوهمة ولكنها تنظيرات وتوقعات تأتي عقب كل ثورة وحراك جديد لحياة سياسية جديدة ومن هذه القراءة المتأنية لفقه الثورة السودانية نستطيع أن نقول إن الثورة باقية ما كانت هناك ديكتاتورية وأنها باقية ما كان هناك تسلط وظلم واستبداد وكبت للحريات وأنها رسالة صادقة للمستقبل وعظة وعبرة للحكام بأن الشعب السوداني قادر في أي لحظة أن يتحرك للثورة لإسقاط أي ديكتاتور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد