4- الأسباب الدينية

الدين الإسلامي هو السائد في شمال السودان بل هو دولة إسلامية تحكم بالشريعة الإسلامية، أما الجنوب فالدين المسيحي والطقوس والوثنية هي السائدة هناك.

5- الجانب الثقافي

تسود الثقافة الإسلامية في شمال البلاد، والثقافة الأفريقية في جنوب البلاد، لا ضير لذكر سمات هذه الثقافات للمثقف لمعرفته إيّاها من الكتب.

نجح الثوريون بثورتهم في السودان.. فماذا بعد عمر البشير؟

يوم 11 أبريل (نيسان) 2019 كان يومًا عظيمًا في تاريخ السودان أقصد به شمال البلاد، إذ أنّ الشعب السوداني الذي ضحّى للبلاد، وقاوم الجنوب مقاومة، هم الشباب الذين تدرّبوا على القتال وقد مارسوه بالفعل تحت قيادة المؤتمر الوطني المنحلّ رسميّا بالتاريخ أعلاه، وهو الذي جعل القتال جزءًا من برنامج الخدمة الوطنية، فالطالب بعد المرحلة الثانويّة لا يواصل الدراسات الجامعية إلا بعد الالتحاق بالقوات المسلّحة إلى صفوف القتال بالجنوب أو غيره، ظلّ السودان على هذا النهج من تولي المؤتمر الوطني لحكم البلاد حتى وصل إلى اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا عام 2005، والحكمة في ذكر هذه النبذة ترجع إلى الخطورة التي ينبغي على الشعب السوداني الحذر منها حتى لا ترجع البلاد إلى الوراء بل والسقوط -لا قدّر الله-، حاليا نجحت الثورة في إسقاط نظام عمر البشير، لكن المسألة تدور حول فترة ما بعد هذا النظام.

انفصال الجنوب عن الشمال كشف أبصار الشباب

حقيقة أنّ هذا الشعب صابر للغاية إلاّ أنّ السلطة استخدمت استراتيجيات حادة ومهارة عالية لإقناعهم بحبّ الوطن وحقّ الدّفاع عنه، فحياة الشباب بنيت على هذا المبدأ وهذا أمر إيجابي لا مخالفة فيه، لكن كان من الأحسن أن تستخدم السلطة هذه الخبرات العميقة والمهارات والموهبة العالية لفضّ النزاع بين الجنوب والشمال لكونهما دولة واحدة، وإن اختلفت الثقافات والقيم والعادات والتقاليد واللغات بل والدّيانة فهذا لا يؤثر سلبًا في دولة دستورية وديموقراطية.

ولقد سبق أن ذكر الكاتب أهمّ أسباب هذه الحرب في الجزء الأوّل لهذا المقال، لكن لماذا رضي شمال السودان باتفاقية نيفاشا دون وضع التوقعات في حالة اختيار الجنوب الانفصال؟ ولماذا كانت مدّة الهدنة خمس سنوات فقط؟ هل هذه المدّة كافية للعمل على تحسين العلاقة بين الشعبين؟ ثمّ الاندراج للتطبيق الفعلي لبنود الاتفاقية ومنها التوزيع العادل للثروة، والسلطة، وحرية الدّين، والاحترام المتبادل…إلخ.

والله هذه المدّة ضئيلة جدًّا لإتقان هذه البنود، لماذا أقول ذلك؟ لأنّ الجنوب مع اتفاقية السلام للهدنة لم يجد تطورًا ملحوظًا، ومن المفترض أن يحاول الشمال كلّ المحاولة ولو مع قصر مدّة الهدنة أن يعلب دورًا دبلوماسيًا شعبيًا حتى يشعر الإنسان الجنوبي بالطمأنينة بل الثقة التامة أنّ الشمال سيلتزم على هذا المنوال للحفاظ على وحدة البلاد وعلى مصلحة الجانبين سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا، لكن -وللأسف- لم يحدث شيء من هذا القبيل، فالشعب الجنوبي أثناء اتفاقية السلام لمدّة خمس سنوات كان يعرف موقفه في فجر الاتفاقية، وكلّ خطوة خطّها الشمالي تعكس إيجابًا أو سلبًا على الوحدة أم انفصال الشعبين، لكن الشمال لم ينتبه لهذا الجانب، ويمكن ملاحظة ذلك من الأسباب التي أدتّ إلى سقوط حكومة عمر البشير، والتي لها علاقة مباشرة بانفصال الجنوب عن الشمال، كالتالي:

من الأسباب التي دعت الشعب السوداني الشمالي للخروج في الشوارع طلبًا لرحيل الركن عمر البشير، هو تدهور الأوضاع الاقتصادية للبلاد تدريجيًا منذ انفصال الجنوب عن الشمال لاتخاذ قرار مصيره بنفسه، بموجب نتيجة الاستفتاء التي أعلنت رسميّا بتاريخ في 9 يوليو 2011، ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الانفصال جعل آبار البترول بالجنوب ملكية تامة له، ممّا جعل الأعباء تتراكم على كتف المؤتمر الوطني بشمال البلاد، وجعلت الحكومة بالتدريج غير قادرة على مواجهة الفقر والتحديات التي تقف أمام المواطن السوداني الكريم، وأوّل حركة على هذا الصدد قيام الطلاب بمظاهرات عنيفة على مستوى البلاد جراء ارتفاع سعر الرغيف والوقود في عام 2018، مع أن الركّن البشير قام بحلّ الأزمة سياسيا بالخطابات المثيرة للشعب والوعود بأنّ كلّ شيء سوف يكون على ما يرام، لكن وللأسف لم تزد هذه الوعود الطين إلاّ بلّة، فاتجهت المنطقة بحالتها الاقتصادية إلى الأسوأ بارتفاع أسعار الطعام والقوت مثل القمح والذرة والدخان والمواد الاستهلاكية الأساسية بثلاثة أضعاف السابق، خرج الشعب بمظاهرات في العاصمة وأم درمان وعطبرة وغيرها.

وفي غضون هذه الحرب يعني عام 2003 على غرار فكرة المهندس داوود يحيى بولاد بغرب البلاد (دارفور) بحقّ المنطقة للمطالبة بحقوقها من المؤتمر الوطني والتي تتعلق بعائدات البترول وتحسين أوضاع المواطنين في دارفور، ممّا أدت إلى قيامة حركات التمرّدّ المسلحة، في غرب البلاد، فعجزت السلطة عن حلّ هذه الأزمة حتى في زمن كان يستفيد من البترول، ووجدت القوات الدّولية فرصة التدخّل في شؤون البلاد على غرار فضّ النزاع وتوفير السلام والأمن في المنطقة.

وإذا كان الأمر كذلك، فبالتأكيد أنّ المؤتمر الوطني ليس له ضمان بأنّه سيستطيع حلّ مشكلة دارفور أيضًا لا سيما بعد انفصال الجنوب مع تدهور الأوضاع الاقتصادية الراهنة، فجعل المواطن تدريجيًا يخرج من حالة التفاؤل إلى التشاؤم، ورأى أنّ النظام الحاكم مدّة صلاحيته قد انتهت مع أجندته السياسية والخطابات والمؤتمرات التي أصبحت كلّها حبرًا على الورق، فأقنع الشعب نفسه أن حلّ النظام بطريقة سلمية هو الطريقة الديموقراطية الأولى إلى تحقيق أهداف المواطنين على غرار تحسين الحياة المعيشية الكريمة للمواطن السوداني الظريف، وقد نجح في المرحلة الأولى خلع النظام، أمّا في المراحل التّالية، هل سيلتزم الشعب السودني بالمبادي الديموقراطية والعلم والإنسانية في إبرام المتطلبات الآتية، أم سينزلق إلى عدم التفاهم ممّا يؤدّي إلى الفوضى والشغب بل والحرب الأهلية؟ و

هذا بالضبط لا يليق مع السودان المثقّف العالم والمهندس الاستراتيجي القويّ المسلح الصابر، لا قدر الله أن يحدث في هذه البلاد مثل ما حدث لجيرانهم في الجنوب، لأنّ الشمال وبالتأكيد منطقة تتمتّع بعلماء ومفكرين فالعالم ينظر إلى السودان ويفكر في كيفية الخروج من هذه الأزمة بكلّ نظام وسلامة حتى يرفع لهم تحيّة النجاح، أمّا إذا مالوا إلى الفوضى فإن علمهم لم يثمر إيجابًا. لذلك طرح الكاتب في موضوع المقال: ماذا بعد عمر البشير؟

يمكن عرض أهم التداعيات التي أدّت إلى سقوط نظام الركن عمر البشير كالتالي:

حقيقة يمكن القول إنّه منذ انفصال الجنوب، أصبح الشمال البلد الذي كان يحاول كلّ المحاولة للاعتماد على نفسه مع مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية والحصارات الدّولية عليها جعل يتدهور إلى الخلف بشكل كبير، مع استمرار الحرب الأهلية في غرب البلاد،(دار فور).

إلى متى يكون السودان سالمًا ومتسالما؟ أليس من الأحسن أن يعيش السودان في الأمن والسلامة كما تعيش بقية الدّول العربيّة؟ ولماذا عجزت الحكومة عن حلّ النزاعات بالاستجابة لمطالبات المتمرّدين ولو سياسيا أو دبلوماسيا أو اقتصاديا، حتى ولو كان هناك داعٍ لأن يجعل السودان جمهورية فدرالية، مثل ما هو عليه نيجيريا وقد نجحت فيها تمامًا؟ كلّها طرق لحلول المشكلات في البلاد وأهمّ شيء أن يستفيد الجميع ولو قليلا بمواطنته لهذه الدولة.

ظلّت السلطة وللأسف تخاطب الشباب وتحرّضهم على القتال وقد أطاعوها لكن نست الحكومة أنّ هؤلاء الشباب أصبحوا خريجين الجامعات وبعضهم أطباء الآن في ظلّ حكومة عمر البشير السابقة، وأفكارهم ناضجة وشخصياتهم متكاملة ليسوا كما كانوا في المرحلة الثانوية ويسمعون الخطابات في الطابور كلّ صباح في المدرسة ويقولون على مقتضى تأثيرها في قلوبهم: الله أكبر الله أكبر، بدأوا يفكّرون لماذا يقاتل السوداني السوداني؟ ولماذا لا يشاركون في خيرات البلاد بتوزيعها على السواء، بغية الحفاظ على قوّتها والتمتّع بتنوّع شعوبها باختلاف معتقداتها وألوانها وثقافتها؟ لماذا لم يحاول المؤتمر الوطني لمدّة 30 سنة تقريبًا ممارسة هذه الخبرة في بلاده؟

جعل خطاب الرئيس السوداني عمر البشير في المنابر العامة منذ عشرة سنوات ماضية تضيء القيمة بل هي خطابات قديمة ومتكررة ضعفت مدّة صلاحيتها جرّاء انفصال الجنوب عن الشمال، كما أنّ أساليب الخطابات السياسية لها مختلفة حسب الحال والمواقف لكن المضمون واحد، يتبنّى استخدام الطابع الدّيني غطاءً بالتحريض على القتال وكأنّ الدارفوريين ليسوا بمسلمين، وإن كان الجنوب مسيحيًا فلماذا يقبل المؤتمر الوطني بنود اتفاقية السلام الشامل مؤخّرًا؟ أهمّها توزيع السلطة والثروة واحترام الثقافات والقيم والمعتقدات وغيرها وقد كانوا يطبقونه تمامًا لكن بعد فوات الأوان، وبعد سقوط أكثر من 1.9 مليون ضحية من أبناء السودان.

وفي النهاية انفصل الجنوب عن الشمال كأنّ الجنوب هو الفائز في المعركة لتمليكه قانونياّ ودولياّ الهدف الذي كانت الجهتان تتشابكان من أجله منذ 30 سنة، والخسائر المادية والبشرية في هذه الحرب لم تكن كافية لتطوير البلاد حتى تنافس جنوب أفريقيا؟

والآن يرى الشباب الذين هم جزء من القوات المسلحة، يرون كأنّ الركن عمر البشير لم يخلص معهم وعلى الرّغم من حماسه وتحريضه وتشجيعه إيّاهم على القتال باسم تحرير السودان، كأنّها حيل للدفاع عن نفسه وحزبه فقط، وليست لمصلحة البلاد كشعب عربي وأفريقي ككلّ، الآن انفصل الجنوب بثرواته الاقتصادية، إلى من يوجّه خطاب عمر البشير الآن؟ ولماذا؟ أيمكن للخرطوم شنّ حروب طاحنة على دارفور؟ بالطبع لا، ولا يمكن.

وهذا الكلام يوجّهه الكاتب كرأي إلى الحكومة القادمة، دعوة كلّ القوى السياسية والدينية والقلبلية إلى المشاركة في بناء سودان واحد سواء أكان مركزيا أو لا مركزيا بمعنى فدراليا، فهم شعب واحد يتجه نحو هدف الواحد، بل ووضع أجندة خاصة لمحاربة الظلم والفساد في المجتمع السوداني، وللأسف مع هذه كلّها يعني الخطابات الساخنة والتحريض ومفاضلة السودان على الأمم الأخرى أصبح المؤتمر الوطني غير قادر على استجابة أدنى وأهمّ ممطالب الشعب السوداني وهو تحسين سعر اللقم : الخبز والرغيف، وهو الشيء الذي أدى إلى فقدان الشعب الثقة في سلطاته وعزموا على حلّها وثبتوا على أقدامهم لمدّة ثلاثة أشهر ونيف، فالقرار الأخير للحكومة هو المحاولة الفاشلة للركن عمر البشير الفرار من البلاد -حسب المصادر العالمية الرسمية- لكن تمّ توقيف الطائرة وتأكّدت بموجبها القوات المسلحة الأمنية للبلاد من عجز الحكومة عن البحث عن الحلول لأزمة التضخم الاقتصادي، فأعطوا الحق للشعب لقانونية حلّ النظام رسميّا، فهذا ما وقع في السودان، وقد ذهب عمر البشير من الحكم ولن يعود لإصلاح هذه الأخطاء إلى يوم الدّهر.

وإن شاء الله سوف يقوم الكاتب بعرض أنموذج للربيعات العربية والأفريقية في الجزء الثالث لهذا المقال بنيّة أن يحذر الشعب السوداني من عدم التورط على مخمصة. مع السلام إلى لقاء آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد