الربيعات العربية والأفريقية ابتداءً من تلك التي ظهرت في تونس والتي تم بموجبها إنهاء حكم الرّئيس السابق زين العابدين بن علي بتاريخ 1 أبريل (نيسان) 2011 إلى تلك التي نحن نشاهدها اليوم في السودان العربي الأفريقي، والتي حققت نجاحها مبدئيًا رسميّا بتاريخ 11 أبريل (نيسان) 2019.

الشيء الذي يريد الكاتب الإشارة إليه هو «الأمن الآمن» لذلك ذكر لفظ: «حقق الربيع السوداني نجاحه مبدئيًّا» ماذا يقصد الكاتب بهذا اللفظ؟ هو أن يرجع السودانيون إلى عقولهم بعد تحقيق المرحلة الأولى للثورة بضبط النّفس والالتزام بالصّبر، حتى يسود الأمن والطمأنينة في أراضيهم المالكة لهم، ولا أحد ينزعها منهم، وبعد الغضب الذي عاشوه ودفعهم إلى الشوارع لمدّة ثلاثة أشهر في النضال مطالبين الركن عمر البشير وحزبه المؤتمر الوطني بالتخلّي عن السلطة، لينوب غيرهم من مواطني الدولة على رأس البلاد، أولئك الذين يستطيعون القيام بالبحث عن مصادر التحديات التي تواجه البلاد السودانية منذ حقبة من الدّهر بغية اتخاذ جميع الوسائل المتاحة لحلولها بشكل إيجابي، وذلك لمصلحة الشعب السودني ككل.

على غرار إعادة الثقة في نفوسهم، والافتخار الزائد بأراضيهم، وغرس الكرم والعزّة والطمأنينة في ضمائرهم، لا شكّ في أن الاختلافات في الرّأي ـ وهذا طبع بني آدم ـ لابدّ منها، لأنّه من الاستحالة أن يتفق الناس كلّهم، لا سيما في دولة واحدة على شيء معيّن واحد بكلّ سهولة، وذلك لاختلافهم في وجهات النظر، وفي المستوى العلمي والعقلي وقوّة التفكير، بالإضافة للاختلاف في العمر، والذكاء، والخبرة في الحياة، وأهمّ شيء من الأشياء المذكورة آنفًا النيّات الصادقة المبنيّة على الرغبة الشديدة في تقدم الأمّة ككلّ، على غرار تقديم مصلحة المجتمع على مصلحة الفرد.

فالخرطوم سودان، والجزيرة، وعطبرة، وكوردفان… لاسيما دار فور منطقة القرآن الكريم، هي سودان بالفعل، وتطوّر هذه المناطق يطور الإنسان السوداني، ومن حقه أن يزورها بلا تأشيرة ولا جواز سفر، بل البطاقة الشخصية الوطنيّة تكون كافية للتجوال أو للبحث – ومن حقّه – عن عمل في هذه الأماكن.

لكن يا ترى! ينبغي أن يكون الاختلاف هذا سطحيًا، بمعنى أنّ كلّ واحد من المواطنين ينبغي أن يكون لديه استعداد نفسي ووجداني، ويهيّئ ضميره لقبول رأي الآخر، لا سيما الرّأي الذي يرى الأكثرية أنّه على الصواب، فهذا جزء من الديموقراطية السليمة، أمّا اتباع النفس الأمّارة بالسوء الهادية إلى الغضب، بل الانتقام، والتي تتلذّذ برؤية النيران في أركان البلاد، وترى أنّ الرئيس المخلوع لابد من شنقه علنًا، بالتأكيد إنّ هذا الشخص ليس في ضميره إنسانية ألبتّة، ويمكن إحالته إلى المستشفى ليجرى عليه عملية الفحص السيكولوجي حتى يعود إلى ضميره.

لأنّه لا يختلف اثنان عالمان مثقّفان أنّ العنف أقبح طريقة لحل المشكلات، وإن توّفر لديك أسبابه بالكامل، اعفُ، ثمّ استبدل الخير بالشر، إلاّ إذا دعت الضرورة إلى مقاومة الشرّ بمثله فلا بأس، كما دعت الضرورة إلى حلّ النظام، جميل، لكن لا تسبب الشغب في مكان كنت تستطيع أن تحلّ مشكلته سلميًا، قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلّم: ليس الشديد بالصرعة، إنّما الشديد من يملك نفسه عند الغضب، فالقويّ إذًا هو الإنسان الذي يسطيع أن ينتقم ليشفي غليل صدره الملتهب، لكن يترك ويعفو، أو يخفّف إذا كانت العقوبة لا محالة له فاعلة.

فبدلًا عن الشنق حتى الموت يجعل العقوبة بالسجن المؤبد أو المطوّل، ذلك أنّ أيّ رئيس مخلوع – لا أقصد الركن عمر البشير – وإنّما أعمّم الضمير بالكلام عن أيّ رئيس كفاه عذابًا وإهانة وتاريخًا سيّئًا لم يكن يتمنّى أن يتركه لأولاده وأحفاده، بل ديوان الدّولة لآلاف سنين قادمة وإلى قيام الدّهر، وهذا الجانب كفاية للتحسّر والأسى والحزن لكلّ رئيس مخلوع من حكمه من شعبه بأنفسهم، لا سيّما إذا استخدم هذا الرّئيس عصا الحديد والقمع والاستبداد والاسترقاق ضدّ مرءوسيه.

لكن المبالغة في إهانته علنًا، بل شنقه أمام القنوات الفضائية العالمية، هي عبارة عن عملية انتقامية غليظة من أجل إشباع غليل الصدر، لكن نظرًا لشخصية المنتقم كان رمزًا مطلقًا للدّولة – وإن عرف أنّه لا أحد فوق القانون – إلاّ أنّ الله سبحانه وتعالى فضّل النّاس بعضهم على بعض في الدّرجة والعلم والأخلاق والكرم، وعلى جانب آخر دافع عن حقوق البلاد في العوالم الخارجية وأبرم علاقات دبلوسية طيّبة مع الدول الأخرى، وهو عارف تمامًا بالحركات والسكنات للدولة وتاريخها، لكونه على رأسها لعدّة سنوات، وكان يعكس ثقافة البلاد بين الأمم والمجتمعات الأخرى حيثما ذهب في العالم.

ومهما كانت ثقل الجرائم التي ارتكبها فقد حقق بعض الإنجازات للدّولة نفسها، حتى استطاع الشعب خلعه من الحكم، هذا أمر إيجابيّ من قبلهم، لكن المطالبة بالشنق والإهانة وتمزيق شخصيته بالشتائم الحادّة يعكس ذلك سلبًا على شعب البلاد أنفسهم في سياساتهم الخارجية، أم يظنّ هذا الشعب المدّعي للبطولة والشجاعة أنّه يستطيع أن يعيش وحيدًا دون المجتمعات الأخرى في العالم؟ وإذا كان الجواب بلا، فأظهر للعالم درجة وعيك وعقلك السليم، سيزيدون لك احترامًا ووقارًا ويشاورون بلدك في أمورهم السياسية المتوترة، أمّا إذا أظهرت للعالم قدرتك على غرس الفوضى، فالمجتمع العالمي سينظر إليكم نظرة تقليل من شأنكم.

يستدعي هذا الجانب إلى ذكر ما حدث في العراق ولأوّل مرّة وعند العرب وللأسف يشنق القوم رمزهم علنا أمام أعين الأعداء، ينبغي تصحيح هذه الظواهر بمحاولة ضبط النفس عند الغضب، على مقتضى قول رسولنا الكريم: (ليس الشديد بالصرعة، إنّما الشديد من يملك نفسه عند الغضب) بجانب العراق العربي التاريخي القويّ: انظروا إلى ما حدث في ليبيا، هذا الشخص معمر القذافي وإن كان مكروها لدى بعض الليبيين فبالتأكيد أنّه كان له قيمة عظيمة في نفوس المسلمين لا سيما في البلاد الأفريقية، ونظرًا إلى الإنجازات التي حققها لجلّ شعبه في ليبيا، ريثما يكون الشعب الثوريون على خطأ ولا يعرفون، كان من المفترض أن يحترموا شخصيته، لا سيما بعد خلعه من الحكم مهما بلغ غيظهم، لكن تعاملوا معه كأنّه غير مسلم حتى غير مسلم يستحقّ الاحترام لكرامة بني آدم، لقد رقّ قلوب من كانوا يحبون الزعيم الأفريقي لشجاعته وحبّه للإسلام والمسلمين لذلك هاجم أعداء الإسلام بلاده، ثم اتهموه باتهامات مصطنعة كاذبة عليه وحاصروه، لكن الإنسان العربي ظلّ قويًّا وثابتًا إلى أن أهانه شعبه أمام ضحكات أعدائهم الذين لا يحبونهم إلا من أجل الخيرات في بلادهم المباركة.

انظروا إلى مصر العربية التي أظهرت للعالم أنّها دولة قانونية تسود فيها العلم والحضارة، انظروا إليه كيف حلّ مشكلته الربيعيّة؟ في إنهاء صلاحيات الرئيس السابق حسني مبارك بتاريخ 11 فبراير (شباط) 2011، ثمّ بعد ذلك تنظيم الفترة الانتقالية، ثمّ الانتخابات النزيهة والحرّة التي شاركت فيها جميع القوى السياسية والمدنية، فخرجت مصر من أزمتها بشكل إيجابي، ولم يحدث أيّ شغب ولا فوضى في الأراضي المصرية، ومثل هذه يتمنّى كلّ واحد أن تسير الأمور نحوه.

والحكمة في ذكر هذا الجانب، أنّ الكاتب قرأ نشرة في صحيفة فرنسية «آر أف إي» يوم سقوط المؤتمر الوطني السوداني مع صورة تعرض مظاهرة عنيفة في تونس من أجل تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وأكّد المتظاهرون بأنّه على الرغم من تمتع المواطن بالحريّة نسبيّا أكثر من فترة الحكومة المخلوعة للرئيس السابق زين العابدين بن علي إلاّ أنه – وللأسف – فالأوضاع الاقتصادية لم تجد أيّ تحسُّن ألبتّة، بل هي أسوأ من قبل، حسب قولهم، هذا يدلّ على أنّ الربيع نجح في جانب وهو استطاعة الثوار خلع الحكومة، لكن فشل في جانب آخر وهو الأهمّ، وهو تدهور البلاد إلى حالة أسوأ، وهذا يحتاج إلى النظر فيه قبل الشروع في الربيعات، بتساؤلات كيف يكون الحال بعد التغيير؟ أيكون أحسن من ذي قبل أم أسوأ؟

وبجانب تونس، لننظر إلى ليبيا وثورتها التي كانت سببا لخلع الرئيس الليبي معمر الفذافي بتاريخ 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، لا يخالف شخصان فيه أنّ الوضع في البلاد الليبية أصبح سيئًا أكثر مما كان سابقًا في زمن الزعيم الأفريقي، ليست الأوضاع الاقتصادية فحسب، وإنّما تلك الأمنيّة من أجل انتشار الشغب والفوضى وأعمال العنف الانتقامية، وغيرها كثيرًا، كما أن العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى ليست جيّدة كما في زمن الزعيم الأفريقي، وينظرون إلى الشعب الليبي كأنّهم لم يناضلوا لمصلحة بلادهم، وأشياء أخرى لا يذكرها الكاتب هنا.. هذا يدلّ على فشل الربيع حسب رأي الكاتب، لأنّ كلّ آدميّ يسعى إلى الترقية في الحياة ليس إلى التخلّف أو التدهور إلى الخلف، ليجعلها أفضل من السابق وتتجه نحو المدينة الفاضلة الخيالية الأفلاطونية الذي جعل معايير وملامح لقياس الدّولة الناجحة ونتيجة هذا القياس هي الوصول إلى أقصى درجة من الرفاهية والسعادة والأمن لتأخذ الدّولة صورة المدينة الفاضلة، أمّا عكس ذلك فالويلات والفقر والجهل وعدم السلامة والاستقرار وغيرها فهي بعيدة من المعيار الذي قاس به أفلاطون الفيلسوف الدولة الناجحة، وهذا ليس طعنًا في أحد، وإنّما هي حقيقة يعرفها الذكي والبليد في جميع أنحاء المعمورة.

وإخواننا الجزائريين كذلك نجحوا مبدئيّا في ثورتهم التي كانت سببًا لخلع الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقية من الحكم بتاريخ 2 أبريل 2019، والذي قضى 20 عامًا تقريبًا في الحكم، وأهمّ شيء الحرص على عدم انزلاق الدولة نحو السقوط للشغب والفوضى وفقد الأمن، ممّا لا شك فيه أن الأمن والاستقرار هما وعاء التقدّم وتحسين أوضاع الدّولة في جميع النواحي، وتحسين علاقاتها مع الدول الأخرى في العالم.

لنلتقي في الجزء الرابع للمقال للحوار حول عن الربيعات الأفريقية، وننتهي بالربيع السوري مع عرض أسباب لهذه الثورة بجهورية سويا والتي ما زالت بين الشدّ والجذب كأنّها معركة ديناستيكية أي مسلسلات في ظاهرة لا تصل إلى نهايتها ولا تنتهي، بثبوت الجانبين على قدميهما وكلّ منهما يستنصر الله عونًا، فمن هو الغالب ومن هو المغلوب؟ وقبل الوصول إلى النتيجية هل فكّر الجانبان في الخسارة التي تتكبّدها البلاد؟ أم يريدون إسقاط الدولة بجذبها إلى الخلف لحقبتين أو لقرن كامل؟ فما فائدة ذلك؟

إلى اللقاء، ومع السلام من الله ورضوانه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد