لقد ملئ العالم بالأخبار عن السودان الذي بدأ يفتح صفحة جديدة لتاريخ البلاد من خلال ظاهرة سياسية، وهي بؤرة الإعلام للقنوات الفضائية والوسائل الإعلامية في العالم، والتي تتعلّق بالمظاهرات الشعبية، أو حركة الثوّار التي تزامنت ثلاثة أشهر بالتوالي، مطالبة الرئيس السوداني «عمر البشير» بالنظر إلى الحالة التي يعيشها الشعب السوداني.

لكنّ الرئيس لم يلق اهتمامًا بما يحدث في بلده من ثورة شعبية عنيفة، بالخروج إليهم كما هو معروف بالفصاحة والخطب المثيرة للقلوب، مليئة بالشجاعة والرجولة، وحبّ الوطن، وإقناع شعبه بخطورة المستعمر وأجندته العلمانية الخبيثة تجاه البلاد، لا سيما عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدّوليّة قرارًا بإحالة الرّئيس السوداني إلى لاهاي بتهمة ارتكاب عمليات إجرامية، وقعت جراء الحرب الأهلية بين الجنوب والشمال.

إلاّ أنّ المشير عمر البشير حاول المدافعة عن نفسه بحجّة أنّ السودان ليس بعضو من أعضاء قانون روما 2002م، وليس للمحكمة حقّ قانونيّ في إحالته إلى تلك المحكمة، وتلا ذلك إصدار قرار آخر يمنع الرئيس السوداني من السفر إلى خارج بلاده، لكنّ الرئيس لم يلق بالاً لهذه القرارات بل كان يستمرّ في سفريّاته إلى حيث أراد، وفي الأشهر القليلة الماضية سجل زيارة إلى الرئيس السوري، الذي بدوره تقام ضده مثل هذه المظاهرات منذ سنوات، وهذه الزيارة لم يفرح بها الشعب السوداني البتّة؛ لوقوفه مع الشعب السوري، الذي ظلّ يجاهد ثابتًا لتغيير النظام الحالي.

وحقيقة الأمر، يصعُب على المحكمة استخدام القوّة لإحالة عمر البشير إلى لاهاي، ذلك أنّ السودان بالفعل ليس عضوًا من أعضاء هذه المحكمة كما سبق ذكره، لكن السودان واحد من أعضاء الأمم المتّحدة، وفي الأمم المتّحدة يوجد مجلس الأمن الدّولي، ومنظمات غير حكومية تحت هذه المنظّمة، تعمل أعمالاً إنسانية تحت شعارات حقوق الإنسان، والعدالة، والتحرير، وغيرها.

وكما أنّه توجد في أجندة القانون الدّولي للأمم المتحدة مواد بنيت على الأعراف والعادات، تستطيع القوّات الدّولية بموجبها التدخل في شأن دولة أخرى، بغضّ النظر إلى كونها دولة ذات «سيادة ولها حق تقرير المصير»، ومن هذه الظواهر أو الجرائم الدّولية، أهمها كالتالي:

  1. الإبادة الجماعية أو المقبرة الجماعية.
  2. القرصنة، وهي عملية إجرامية تقوم بها الميليشيات في البحار.
  3. الجرائم ضدّ الإنسانية منها: الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي، الإكراه على البغاء، التعذيب.
  4. التصفية العرقية، أو الإثنية، أو القبليّة لأسباب ثقافية، أو دينية، أو سياسية.
  5. الاسترقاق… إلخ.

بموجب هذه العمليات المنتهكة لحقوق الإنسان تستطيع الأمم المتحدة، أو مجلس الأمن اتخاذ قرار بالتدخّل في الشؤون الدّاخلية لدولة سيادية تمارس فيها هذه العمليات، وما حدث بين الجنوب والشمال وتلاه قضيّة غرب البلاد «دارفور» هي أحداث ضخمة جدًّا، وحقيقة ليس فيه حرب تندلع لمدّة عشرين سنة، ولم تحدث فيها إبادة جماعية ولا اغتصاب، ولا النهب والسلب، و لا أيّ ممارسة غير إنسانية، هذا مستحيل – فربّما يكون هذا هو السبب الذي جعل الرئيس السوداني لم يوقّع على اتفاقية روما ليكون عضوًا من أعضاء هذه المحكمة- والله أعلم.

وهذه الحرب حسب المصادر الرسمية العالمية تعدّ من أسوأ الحروب في تاريخ البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، إذ إنّ عدد القتلى في هذه الحرب ابتداءً من عام 1983م بين القبائل الجنوبية، ثمّ توسعت من 1955م إلى 1972م وإلى اتفاقية نيفاشا للسلام في عام 2005م بلغ عدد الضحايا الذين لقوا حتفهم في هذه الحرب 1.9 مليون من المدنيين السودانيين، وعدد النزوح يقدّر بـ4 ملايين شخص.

أيعقل أنّ عدد الضحايا المذكورين آنفًا، والذين سقطوا جراء هذه الحرب، ليسوا ضمن الجرائم الدّولية؟ نعم هذه هي الحقيقة المرة، ولا يشعر بها إلاّ من فقد ابنه أو أبناءه، وأقاربه وجيرانه وصديقه، في هذه الحرب، بل لا ينسى هذا الحزن والأسي إلى قيام الدّهر.

بعد ذلك انظروا إلى عدد النزوح، وهو الانتقال بطريقة قهرية ولا إراديّة من مكان الخطر إلى مكان آخر، بغية البحث عن الحماية والأمن، انظروا إلى ما تعرّض له هؤلاء النازحون من الكوارث الإنسانية، والمعاملات غير الكريمة، من الجوع والعطش، والنوم في الخارج بل تحت الأمطار، وفي البرودة.

هذه السمات حقيقة لا تليق بكرامة الجنس البشري الإنساني، بغضّ النظر عن قبيلته، أو جنسيته، أو دينه، لأنّ الآدميّة مشتركة في الكرم، قال تعالى: «ولقد كرّمنا بني آدم» إذن لا أحد يستطيع أن يقول إنّ جرائم الحرب لم تقع في السودان، لكن المسألة التي تفرض نفسها، كيف وقعت هذه الجرائم؟ هل ألقى عمر البشير الهجمات همجيًّا على الجنوب بدون هدف؟ أو العكس الصحيح؟ الجواب لا، إذن يمكن للكاتب عرض بعض الأسباب الرئيسية التي أدت إلى هذه الكارثة الإنسانية مع ذكر مصادرها، كالتالي:

يمكن القول إنّ جلّ أسباب هذه الحرب ومصادرها تكمن في الأسباب: السياسية، ثم الاقتصادية، ومن القبلية إلى الّدينية، فالثقافية.

1- الأسباب السياسية

كلّ من الجانبين يدّعي أنّه هو المالك الأصيل للأراضي السودانية، فالشمالي يرى أنّ الجنوب متمرّد على سلطته، ولا بد بمقاتلته حتى يستسلم تحت السلطة الجمهورية على غرار حدود البلاد التي رسمها البريطانيون عقب استقلال البلاد عام 1956 حسب تقسيم المستعمر، بينما يرى الجنوب أنّ الشمال احتلّ أراضيه التي هي ملك لأجداده السود الذين سكنوا المنطقة لآلاف السنين الماضية، وينبغي مقاتلة العرب، وإخراجهم من بلاد السود أو يستسلمون تحت حكم السود في الجنوب، وباختصار هي معركة التكالب على السلطة، هذه ناحية سياسية.

2- الناحية القبلية

في جنوب السوان قبائل أفريقيّة بل فيها إثنيات متعدّدة، أهمّها قبيلة «دينكا» التي ينتمي إليها الرئيس السابق، «جون قرنق»، وحتى الرئيس الحالي «سلفانكير مياردت». ومنها قبيلة «النوير»، وقبيلة «الشلك» وقبيلة «النيلويون الحاميون»، وهي قبائل إفريقية بحتة مثل جيرانهم الجغرافيين يعنى تشاد، ورواندا، متشابهون في جلّ العادات، والطقوس، والثقافات، بل يمتازون بالسواد في البشرة.

أما شمال السودان ففيه قبائل العرب التي تشكّل 70% من سكان البلاد كلّه، بمعنى أنّهم الأكثريّة، والذين ارتحلوا من الجزيرة العربية، واختلطوا مع القبائل النوبية في شمال البلاد وغربها، وأهم هذه القبائل هي: الشاقية، والجعلية، والبديرية، والمرغنية، وغيرها، ولغتهم الأم هي اللغة العربية، بلهجات مختلفة بينها.

3- الأسباب الاقتصادية

كأنّ هذا الجانب هو الرّكن الأساسي للحرب باطنيًّا، وإن كان السبب الأوّل هو الوسيلة إلى السيطرة على بقية الأسباب، لأنّ السلطة هي القوّة، والهيمنة، والآمر والناهيِ، فبالنسبة للجانب الاقتصادي، السودان دولة ساحلية وصحراوية، لا سيما الجهة الشمالية لها تعتمد أصلًا على الري والزراعة، والتجارة، بينما في الجهة الجنوبية فالأراضي هناك خصبة وتتمتع بالرطوبة والاستوائية في الموقع، والمنطقة تعتمد على الزراعة كذلك.

لكنّ آبار البترول الفعالة حاليًّا توجد في الجنوب، وكأنّ الهمّ الأوّل للجنوب هو السيطرة على أماكن البترول، واستخدام الوقود لمصلحته وحده، دون أن يعطي كثيرًا من الأرباح، استخراج هذه الخيرات من الجنوب يتيح بناء قصور، وبروج، ومطارات تهبط وتطير منها الطائرات إلى جميع أنحاء العالم، كما وفر الوقود الكافي أو الكهرباء لإضاءة العاصمة ليلاً، وهو منظر حضاري رائع وجميل، ولم يقف الشمال عند هذا الحد وإنّما وفرّ كلّ أسباب الرفاهية والترفيه في مدينة الخرطوم، والتي تطوّرت إلى مستوى أن أصبحت عاصمة الحضارة العربية في عام 2007م، وإن كان هذا التاريخ تزامن مع حالة الهدنة أو اتفاقية السلام لأربعة سنوات بين الجانبين.

على ضوء هذا، يرى الجنوب أنّ منطقته فارغة لا مدرسة فيها ولا مستشفى، ولا طرق جيدة وشوارع واسعة، حتى الراديو والتلفيزيون لا يوجد إلاّ من الذي جاء من خارج جنوب السودان، وشعبه غير متعلّم، ولا يوجد فيه معالم الحضارة، ومع إمكانياتهم الضئيلة يضعونها في شراء أسلحة الحرب، فيتطلعون للاستفادة من الكنوز المدخرة للبلاد، ولهم تمنّيات مضمرة لاعتبار ما سيكون بعد الفوز في هذه الحرب الثقيلة.

ولا يبالي الجنوب بأنّ إدارة الدولة تحتاج إلى درجة عالية وفائقة من الحضارة والعلم، والمعرفة، والبصيرة، والذكاء والعقل المنير، وإلاّ لنهب أساتذة الحضارة خيراتها، واستولوا على سلطاتها ودستورها، يمشون ويقفون على أوامرهم، وهيمنوا على منابع دخلها، يعرفون دخل البلاد، وما صرف منه، وأين صرف؟

على أيّ حال فالشمال لا يضع جميع قوّته لمحاربة الجنوب، ذلك أنّه أقوى من الجنوب في جميع النّواحي، فقط سيطر على آبار البترول فيمص الوقود مصًّا، وخلال الهدنة كان الشمال يعطي للجنوب شيئًا من ثروة البترول على غرار اتفاقية نيفاشا للسلام، كما قام ببعض الجهود خلال الحرب لمنع أيّ هجمات جنوبية على الشمال من مسافة بعيدة جدًّا، لضمان السلم الدّاخلي لأهل الشمال فقط.

لنلتقى في الجزء الثاني للمقال تباعًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد