المنطقة العربية على صفيح ساخن، والأحداث فيها تتسارع بقوة نحو صدام بات وشيكًا وأصبح قاب قوسين أو أدنى، وأسباب الحرب أصبحت علنية تكتمل خيوطها وتظهر معالمها يومًا بعد يوم، والمصالح تجعل المنطقة على فوهة بركان.

فور صعود الرئيس محمد مرسي، الرئيس الشهيد، إلى حكم مصر، صعدت دول إقليمية ودولية لا ترغب في استمراره في السلطة، ولو كلفها ذلك مليارات الدولارات.

كانت الإمارات هي إحدى تلك الدول الراغبة في انهيار التجربة المصرية؛ لأن بقاءها يهددها على مسارين مختلفين، على المسار السياسي لا ترغب الإمارات في نجاح تجربة ديمقراطية تحمل أيديولوجية إسلامية وتقود أكبر دولة عربية في المنطقة، حيث إن ذلك يدفع شعوب الخليج العربي إلى التطلع إلى التجربة المصرية نفسها.
وعلى مسار آخر عندما طرح الرئيس محمد مرسي مشروع محور قناة السويس مشروعًّا قوميًّا مصريًّا لتنمية مدن القناة وتحويلها إلى منطقة دعم لوجيستي للتجارة العالمية على ضفاف قناة السويس، بما يشكل ذلك خطرًا كبيرًا على إمارة دبي، وتهديدًا صريحًا لمصالح دبي بل انهيارها تمامًا في حال إتمام مشروع قناة السويس الجديدة.

بالطبع لم يكن طرح الرئيس محمد مرسي لمشروع قناة السويس سبقًا أو جديدًا؛ إذ سبقه في ذلك الرئيس مبارك، لكن الإمارات أفشلت المشروع ذاته في مقابل تزويد مصر بالنفط، نتج عنه تراجع حسني مبارك عن المشروع.

أسقطت الإمارات، والسعودية، ودول أوروبا، وأمريكا، والكيان الصهيوني التجربة المصرية التي جاءت بالإخوان المسلمين لحكم مصر، واطمأنت الإمارات بعدم خطورة السيسي ومشروعه في قناة السويس، بل حضروا حفل الافتتاح، حيث إن ما حدث لم يكن مشروع قناة السويس بقدر ما هو إسفاف واستخفاف بموارد مصر ومقدراتها الاقتصادية، وخدمة للكيان الصهيوني في توسيع حجم المجرى المائي أمام أي محاولة قادمة لعبور قناة السويس إذا اندلعت حرب بين مصر وإسرائيل مستقبلًا مما يصعب على القوات المسلحة في اقتحام قناة السويس.

ومن ناحية أخرى تمرير صحارات مياه تحت قناة السويس لتوصيل مياه النيل عبر تلك الصحارات مستقبلًا، بعد التحكم في منابع النيل عبر سد النهضة في، إثيوبيا.

ورغم محاولة الإمارات في تأمين إمارة دبي وتجنب سقوطها، فإن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، عبر قناة أخرى تأتيه الضربة من بعيد، حيث قناة إسطنبول الجديدة، الحلم الشخصي للرئيس أردوغان.

أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان ــ عندما كان رئيسًا للوزراء  ــ مشروع «قناة إسطنبول» في 27 أبريل (نيسان) 2011م، وأطلق عليه اسم «المشروع العاصف». أو «المشروع الحلم» نظرًا إلى التفكير المتواراث عبر تاريخ الدولة العثمانية في إنشاء تلك القناة، ولم يتم حتى اللحظة، وفي غضون عامين انتهت دراسات المشروع، وآليات التمويل، بتكلفة تتخطى 10 مليار دولار للبناء، تم تخفيضها إلى 6.5 مليار دولار يتم تخصيصها من خزينة الدولة، على أن يتولى الجيش التركي الدور المحوري  في إقامة المشروع، لما له من أهمية كبرى في مستقبل تركيا، ورغم معارضة حزب الشعب الجمهوري للمشروع، فإن الرئيس أردوغان يدفع باتجاه إتمام ذلك المشروع.

وجرى الاتفاق بالفعل على موعد تدشينه عام 2023، على أن يكون افتتاحه خلال ذكرى تأسيس الدولة التركية، وتزامنًا مع انتهاء معاهدة لوزان، التي تمنع الحكومة من تحصيل أي رسوم على مرور السفن من مضيق البوسفور.

وبحسب ما توافر من معلومات عن المشروع حتى الآن، يبلغ طول القناة حوالي 45-50 كم، بعمق 82 قدمًا، وعرض 490 قدمًا، وبهذه المواصفات ستشكل وضعًا جديدًا وخلق جزيرة اصطناعية تقع في منتصف الجانب الأوروبي في إسطنبول، وتشكيل جزيرة جديدة رائعة تعطي سحرًا إضافيًّا لشواطئ على البحر الأسود ــ وبحر مرمرة ــ حتى تتجاوز مضيق البوسفور، وهذه الأبعاد تعني أن المشروع يستوعب أكبر وأضخم السفن والغواصات للمرور منه، ومن المخطط أن تتّسع القناة لمرور 160 سفينة كل يوم، بما يحقق عائدًا سنويًّا يتخطى 8 مليار دولار، ناهيك عن خلق فرص استثمارية كبرى.

هذا المشروع يجعل من مدينة إسطنبول مركزًا للتجارة العالمية لموقعها الاستراتيجي بين ملتقى التجارة العالمية بين أوروبا والصين، وسيجري تشغيل حوالي 1500عامل في ذلك المشروع، إضافة إلى بناء كتلة سكنية تتسع لاستيعاب 7 ملايين نسمة، وتجعل من مدينة إسطنبول ملتقى عالميًّا بديلًا عن دبي، التي سوف تنهار حتمًا بعد إتمام ذلك المشروع كما هو مخطط له.

هذا المشروع أحدث نوعًا من اشتعال وتصاعد الخلاف بين أنقرة ودبي والقاهرة، وأصبحت حربًا ثلاثية الأبعاد، تحتمي دبي بالقاهرة ودفعها إلى المواجهة مع أنقرة تحت زعم أن مشروع قناة إسطنبول يؤثر سلبًا على مكانة قناة السويس بوصفها الممر المائي الأقدم والأشهر في طرق الملاحة الدولية، ومصدر مهم من مصادر الدخل القومي المصري.

وإذ إنه لا تعارض للمصالح بين قناةالسويس وقناة إسطنبول من حيث المواقع الملاحية، حيث إن قناة السويس تربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، وقناة إسطنبول الجديدة تربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، وعليه فإن دبي تستخدم هذا الأمر وتدفع باتجاه التصعيد بين القاهرة وأنقرة حماية لمصالحها دون أي اعتبارات أخرى.

كانت هناك فرصة تاريخية أمام السيسي لإنجاز مشروع قومي نهضوي يدفع باتجاه تنمية وتعزيز مصادر الدخل القومي المصري، ووضع مصر على خريطة العالم الاقتصادية كمركز للتجارة العالمية، لكن الحكم الشمولي الاستبدادي العسكري لم يسع في يوم من الأيام إلى نهضة الدول وتنميتها.

يمكن القول إن التهديد الحقيقي للقناة التركية الجديدة، حال البدء فيها فعليًّا هذه المرة، سيكون من نصيب دبي الإمارات، خاصة إذا علمنا، أن عملية نقل التجارة بين الصين وأوروبا من المحور الجنوبي إلى محور الشمال والبحر الأسود حيث تركيا، يهدد النفوذ الإماراتي على موانئ عدن، وبربرة، وباب المندب، ويعظم في المقابل من قدرات تركيا على المنافسة الاقتصادية والاستقطاب التجاري، خصوصًا مع الانتهاء من مشروع طريق الحرير الحديدي، وتحويل مدينة إسطنبول إلى مركز عالمي للتجارة الدولية، وتحقيق حلم أردوغان الشخصي على حساب دبي كمركز مالي إقليمي، وهي معطيات ستزيد من حدة الصراع بين البلدين، وربما ستكون تلك القناة هي التي تساعد على أفول دبي للأبد.

دعونا ننتظر لعل القادم أفضل للشعوب العربية بعد زوال مقدرات تلك الدول التي تقف حجر عثرة آمام الحلم العربي نحو التغيير.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد