كثيرًا ما نتمنّى، ونأمل ونرجو من هذه الدنيا، الكثير والقليل، وكثيرًا ما نُخذل وتخيب أمنياتنا ثم نتألم ونتحسّر، فما نلبث قليلًا ثم نعاود التمنّي والرجاء، ثم تكون النتيجة الخذلان والخيبات، فنقاسي من جديد اللآلام والحسرات، وتكرار ذلك يجعلنا نيأس بل نهْوي في مستنقع اليأس، فنعود فنتمنّى وهكذا دواليك، وكأن الحياة دورة من الشقاء والمعاناة، هل هذا هو الواقع أم أنه يُخيّل لنا ذلك؟ فلنجرب مرة أن نتوقف ونسأل أنفسنا: يا ترى لماذا لا نحصل على مراداتنا وكل ما نحلم به أو حتى بعضه؟ تُرى أين المشكلة؟ فينا؟ أم في أمنياتنا وأحلامنا؟ أم في الدنيا؟ وكيف نتخلص من الألم والمعاناة المقرونين بالتمنّي؟ فهل نتوقف عن التمنّي حتى نتوقف عن الألم؟ أم ماذا؟ ونبقى حينًا من الدهر بلا إجابات، فينقسم الناس إلى قسمين: القسم الأول يخرج من تلك الدائرة ويستقر في ضميره أنه قد خَبُرَ الدنيا وعرف كُنْهَهَا، فلا فائدة وراءها ولا طائل، والبعض الآخر يظل يدور ويدور! وقد استقر في ضميره أن هذه طبيعة الحياة وسنّتها؛ البؤس والشقاء فقَنِع ورَضِي. فيا ترى ما هو الصواب؟ الخروج من الدائرة وعدم المحاولة؟ أم البقاء في الدائرة وتكرار المحاولة تلو الأخرى بطريقة آلية؟

قبل أن أن نخوض في الإجابة علينا أن نرجع خطوة للوراء، ونسأل السؤال الآتي: لماذا أصلا نتمنّى ونرجو ونأمل؟ التمنّي والأحلام والرجاء فطرةٌ فَطَرَ الله تعالى الإنسان عليها؛ وهي نزعة تحثّه على «تَطَلُبُ الأفضل دائمًا»، وهذا حق مشروع لجميع البشر وليس ثمّة سقف أو حدود موضوعة أمام أحد من الناس، بل إن ممارسة هذا الفعل لهو الدليل على السواء النفسي، وبأن الإنسان يتمتع بكامل قواه العقلية والنفسية.

لافتة: أقصد بالأحلام والأمنيات = المبنيّة على الخطط والأهداف، والمتضمنة للشروط مثل: الواقعية والخطوات العملية والسعي الدؤوب وإلخ.

فكل منّا لديه أسبابه ودوافعه وحاجاته ورغباته وبيئته وظروفة، التي تشكل أمنياته وأحلامه؛ كُبْرِهَا وصِغَرِها عمْقِها وسطْحيّتها، وتتعدد أسباب الأمنيات والأحلام وأهدافها، ولكن هناك مظلّة مشتركة تندرج تحتها كل هذه الأسباب: وهي البحث عن الراحة والطمأنينة أو (السعادة). فإذا -مثلًا- كان (أفقر) تمنى أن يكون (أغنى) فإذا لم يتحقق ما تمنى وخُذل؛ تألم، وإذا تكرر الخذلان والألم؛ يئس وربما استسلم، هذا يعيدنا لما قلناه في البداية، وهو انقسام الناس أمام هكذا حال إلى قسمين: منهم (اليائس)؛ الذي خرج من الدائرة واكتفى بالفرجة، ومنهم (البائس)؛ الذي بقيَ يدور دون ملل، وسألنا حينها سؤالًا: من منهم الصواب؟ قبل أن نجيب علينا أن نحاول أن نخرج من المنطق الرياضي الحَدّي؛ مع أو ضد، إما أبيض وإما أسود، والنظر للأمور بمرونة أكبر.

للوهلة الأولى؛ نرى أن البائس واليائس -كما أسميناهم- مختلفان، وأن كل منهما سلك طريقًا مغايرًا للآخر، فالأول توقف والثاني لا يزال يعمل، هذا في الظاهر ولكن عند التدقيق وإمعان النظر؛ نراهم متشابهان في النتائج وعدم تحصّلهم على مراداتهم، وذلك يعود لاتسامهم بالجمود وإصدار الأحكام النهائية على الأمور، فكلاهما ادعى الحكمة في تصرفه، فالأول اختار (عدم الفعل) محاولاَ التخلص من الألم، فإذا بالألم يستمر، والثاني اختار (الفعل)، محاولًا التخلص الألم أيضًا، فإذا بالألم يستمر، لكن ألمه أقل من الأول، نتيجة للعمل الذي له مفعول المسكّن المؤقت. كلا الفعلين عبارة عن (رد فعل) ومحاولة للهروب والتخلص من الألم، وليس محاولة أصيلة لفعل شيء نحو تحقيق الأماني والأحلام. فإذا قلنا أن (الألم) = (الفرق بين الواقع والتوقع)؛ الواقع (ما أنا عليه الآن) والتوقع (ما أحلم به وأتمناه)، ويزيد الألم بازدياد الفرق وينقص بنقصانه.

قد يقول أحدهم: الألم سببه التمنّي أو التوقع، فحين لا نتمنّى لا نتألم -سهلة- إذن يجب أن نتوقف عن التمنّي، أقول: ليس لهؤلاء أكتب هذا المقال، وإنما للذين يتمنون ويحلمون، لكن لديهم عدة مشاكل: منها (1) مشكلة عدم إدراك قيمة (الموجود) والنظر دائمًا إلى (المفقود)، لا شك أن هذه من طبيعة عمل العقل ولكن يجب ضبطها بالتدريب وتغييرها، ومنها (2) مشكلة (التعلق) بما نحلم به ونتمناه وعدم الفصل بين ذواتنا وأحلامنا وأمنياتنا، بالتالي فإن سبب الألم هو (التعلق) وليس (التمنّي). ومنها (3) مشكلة (عدم فعل شيء حقيقي باتجاه ما نحلم به ونتمناه) فعلينا عمل شيء -مهما كان صغيرًا- وذلك لتقليص الفرق بين الواقع والتوقع، وبالتالي التخفيف الحقيقي للشقاء والمعاناة في الحياة، إذن ليس القعود عن العمل بحجة أنه لا طائل ولا فائدة يخفف الألم، وليس العمل بأي شيء هروبًا يخفف الألم أيضًا.

قبل كل شيء وقبل أي فعل: يجب إعطاء ذواتنا (قيمة كاملة ومصانة وقدر كامل ومُصان)، لا يُمس ولا يتأثر بما يحدث في خارج ذواتنا، وذلك لا يتم إلا بإدراك قيمة الموجود وما نحن فيه من خير نعمة، وبفعل أشياء -مهما كانت صغيرة- باتجاه أهدافنا وما نتمناه وليس الهروب، وعلينا أن نحذر من التعلق بالأشياء والأشخاص الذين قد نعتقد أنهم سبيل إلى أهدافنا وأحلامنا، هكذا نكسر دائرة الشقاء ونخرج منها ونتخلص من الألم دون التوقف عن التمنّي وتوقع الأفضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد