كثير من الناظرين لوضع الإنسانية في سياقنا الحالي، سيحكمون عليها بدون مواربة أنها معذبة وباتت رخيصة بفعل ما يطغى من حروب واقتتال وإشاعة للدمار والخراب في أوطان مغلوبة مقهورة، وتسليم الجزء الآخر لشركات تنظر في الإنسان باعتباره كائنًا استهلاكيًا وحسب وللمجتمع الإنساني بوصفه سوقًا للتجارة وسلمًا لمراكمة الثروة؛ فبين الحرب على الإنسان وإشاعة الخراب في العمران وكل نظمه القيمية والاجتماعية في جزء من المعمور وافتعال الصراعات الإثنية والدينية داخله ودعم النظم الاستبدادية والديكتاتوريات به من طرف الغرب والقوى الكبرى، ما يعني الوقوف حائلًا بينه وبين النهوض ومدخلاته المتاحة، أكان بالديمقراطية بعد أن جرب محن الاستبداد أو بالمعرفة والجانب العلمي الذي يذهب إلى امتلاك التقنية وتجديد الوعي بعد أن تمكن منه التخلف قرونًا، فبين الإبقاء على هذا النمط في جزء من المعمور الذي سمي في مرحلة سابقة عالمًا ثالثًا أو جنوبًا بحسب تصنيف معين، أو عالمًا إسلاميًا أو أخضر لما ينظر إلى الصراع ويعتمد التصنيف على البعد الديني والحضاري.

فالإبقاء على هذا الحوض الحضاري في صراعات دائمة تعيق حركيته وديناميكيته الاجتماعية والسياسية، وبين سيادة المنطق الاحتكاري التحكمي والصيرورة الطبيعية لنظم من الأفكار عاشت قطائع جعلتها في نهاية الأمر مفصولة نهائيًا عن كل بعد غائي أو مستندة إلى نظام لا يرعى للإنسان والإنسانية ويحفظ كرامته ويحقق العدل في مجتمع الناس بشتى طباعهم وانتماءاتهم الإثنية والدينية، بعيدًا عن منطق الحروب وإشاعة الخراب والتدمير الذي نراه مسلطًا على جغرافيا العالم الإسلامي وحدها، تلك حقيقة وإن كان الادعاء عكس ذلك.

ولج الاستعمار العالم الإسلامي منذ قرنين أو أكثر، لاستنفاذ قواه ومقدراته المادية والرمزية، ومر بمحن وإحن لا تعد ولا تحصى، فمن التخلف الذي عمر فيه طويلًا، إلى الاصطدام بالرجل الأبيض الذي زعم التمدين ونشر المدنية وثاقة الأنوار بداية، بينما هو استعمار مقيت سيعمر طويلًا في بلدان عدة ويستنفذ خيراتها وما تجود به الأرض ليشغل الآلة التي عوضت الإنسان، وبعد ذلك يكون العالم المستعمر سوقًا مفتوحة لمنتجاته المادية، فلم يكتف بالتمكن من خيرات البلاد وإنما صنع فيها صغارًا وذلًا دائمًا وأبقى فيها عجزًا عن الانطلاق يمكنه من تدارك الفعالية الاجتماعية والنفسية التي بها تقوم المجتمعات وتتطور الأمم، فكانت الهزيمة النفسية أخطر ما لحق العالم الإسلامي من الاستعمار الذي تعددت مداخله وأساليبه، وفي شق آخر ساد نوع من الانشطار في العقل المسلم، حيث يتصور البعض أن أية ريادة حضارية لا يمكن تصورها خارج النفق الموضوع سلفًا، وما نحتاج إلى أن نسلكه، لأنه الوحيد في نظر البعض للتحضر والتقدم حيث الخلاص من العتمة الطويلة بحضارة العصر وقيمه، والحقيقة أن في هذا قول صحيح لا شك في صدقيته، لكن إغفال النظرة للذات والاستعداد للتماهي المطلق مع الآخر هو أمر معيب ولا يقدم حلًا واقعيًا في ظل النفي الممارس علينا من الآخر.

فهذا الآخر الذي يقدمه البعض أنموذجًا للإنسانية وضرورة الاندماج معه باعتباره ذي بعد كوني، وقدرًا محتومًا لا فكاك منه، نرى بعض تجلياته في الحروب الدائمة والمستمرة وتدميره لحضارات قائمة تستبطن عداء لكل ما هو مغاير لها، وكذا استمرار النظرة التقليدية لديه بالنسبة للعالم الثالث وخصوصًا العالم العربي والإسلامي منه، فالنظرة الاستعمارية ذاتها لم تتغير وإن تغيرت الآليات والشعارات ومسميات التدخل، وما الحروب المستمرة من أفغانستان إلى العراق والبوسنة والهرسك فتدمير العراق سنة 2003 وقبله إطلاق حملة الحرب على الإرهاب سوى تمثلات واضحة لذلك، انتهت بالدعم السافر لنظم ديكتاتورية في سياق الربيع العربي، ثم الكيد للحراك والثورات العربية بتسليحها في أفق وأدها وإجهاض مجرياتها، وبعدها بدأنا نلحظ حربًا بالوكالة تقودها النظم المستبدة والديكتاتورية ضد شعوبها المطالبة بالحرية والديمقراطية، وافتعال احتراب إثني مذهبي في كل العالم الإسلامي يغذي التمزق والخطط وخرائط الطريق الموضوعة سلفًا من مراكز التفكير الغربية المقربة من صناع القرار الدولي، كل ذلك يكشف مدى عدم أحقية الآخر لأن يكون أنموذجا في مقارباته وسياساته، لكن دون إغفال جانبه الإنساني الذي نتقاطع معه فيه، فيما دون الحروب والنمط الهمجي السائد والذي يعود بالإنسانية كاملة إلى الوراء أو يقودها للدمار.

إن منطق الحروب القائم على إعمال القوة كان منذ الأزل وسيظل ولو كان في عالمنا حاكم عادل مثل عمر بن الخطاب الذي اشتهر بين الأمم بعدله، أو أمة راشدة ورشيدة للعامي فيها القدرة على مواجهة سطوة الحاكم كعصر عمر حيث ووجه بالرأي المخالف وبشكل جارح أمام العلن على النمط الذي نراه في الديمقراطيات العريقة الآن، كل ذلك لم يمنع من أن يقتل عمر الفاروق غيلة وهو الهاجع في الليل الحارس في النهار، ولا يحقن الدماء الجارية هنا وهناك، فالمخاض الحالي عسير وقدر للشعوب العربية والمسلمة أن تقوده في أفق التحرر ومنح السيادة لقيم نتلفظها ونسمعها من ساسة ونخب.

لكن إجراءاتها العملية منعدمة أو تكاد، بل يزداد سعار القتل الجماعي في كل مكان، وحتمًا سينتشر الدم القاني في كل بقاع الأرض، وهو يستصرخ فينا فطرتنا الإنسانية، فطغمة الظلم والجور وأعداء الإنسانية هم بيننا وسيظلون أبد الآبدين، بل في الإنسانية شيء من الجور ونزوع نحو الشر، وكذلك خلق الإنسان، لكن ليس هناك شر مطلق ولا خير مطلق.

يستحر القتل في دنيا الناس، ومعها ترتفع نداءات الحق في الحياة والتعبير والعدالة الإنسانية، ففي زحمة الاقتتال يلمع معدن الرحمة ودين الرحمة وهو أنموذج ينبغي للعرب والمسلمين العمل له بنزع فتيل التطرف والفرقة والاقتتال وتوحيد الجهود نحو المسار السليم والصحيح للخروج من النفق.

ومع شدة الظلم الاجتماعي والسياسي تتجلى قيم العدالة والحرية وعدم الإكراه وتبرز أمامك هادية مرشدة “لا إكراه في الدين”، وذلك نحن في حاجة لتمثله لتمثل قيم التعددية ونزع فتيل التطرف؛ ومع سيادة النزعة الاستهلاكية وسعار اللامعنى والنزعة التفكيكية التي يفقد معها الإنسان معناه تظهر قيمة التوازن في الشخصية الإنسانية والتركيب بين مكوناتها ومن تم ضمان شيء من التوازن الاجتماعي الواقي من الاختلال نتيجة اتساع هوة الفوارق وكثرة المظالم، ويصبح المعنى قيمة وهدفًا في ذاته، لكن ذلك بحاجة لعقل يعيه ويفكر فيه وينشره بين الناس بمختلف الوسائط.

ذلكم واقع أليم هو المتحكم والسائد في عالم يسود فيه الغالب ويفرض على المغلوب الاقتداء والتأسي به بل يصبح مزرعة يبذر فيها ما شاء ويأخذ منها ما لذ وطاب، وتلكم قيم سامقة تنشدها بعض الجموع من الإنسانية كمثال ينبغي إشاعته والعمل له بديلًا عن الإذلال النفسي والمادي المجبورين عليه، وهي قيم كافية لتحرير الإنسانية من حر القتل وشيوع الظلم والألم الذي تعانيه والخطر الذي يحدق بها.

إن مرارة الواقع وألم الإنسانية المعذبة في وقتنا يبعث على المرارة، فالظلم مؤذن بخراب العمران كما قال فيلسوف الاجتماع، ولا فرار إلا في إقامة صرح حضارة تنشد العدل والكرامة الآدمية، وتعمل لذلك من خلال الوعي بأهميتهما وضرورتهما، لإبراء الجروح المؤذنة بموت المريض. وأعني هلاك الإنسانية بتطرف قادتها وسياستهم الإمبريالية المدمرة للإنسان والأوطان.

فهل يمكن تحقيق بعض من الرحمة والعدل والكرامة واستعادة المعنى وجوهر الإنسانية النبيل مع عالم يسوده منطق القوة ومحكوم بنزعة الصراع الدامي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد