لعنة الثلج تصيب مرة أخرى مناطق الشمال الغربي لتونس، في تلك الجغرافيات القاسية يتحول الثلج من مصدر للمتعة والفرح إلى قطعة من العذاب، تحمل في طياتها وضعًا كارثيًّا تعيشه تلك المناطق، حيث يعزل السكان، وتقطع الطرق المؤدية إلى مركز المدينة، ويموت الأهالي والمواشي؛ نتيجة أوضاعهم المأساوية، وغياب وسائل التدفئة، ونقص المواد الغذائية.

تحالف الثلوج والفقر.. سبب الوفاة

تساقط الثلوج في ولاية جندوبة، وما يرافقه من إشكاليات ليس بالموضوع الجديد، ولكن وفاة رضيع في إحدى المناطق الحدودية من معتمدية غار الدماء أعاد الجدل إلى الأذهان، إذ توفي الرضيع من جرّاء البرد في منطقة معزولة. وتجدر الإشارة إلى أن حالة الوفاة بسبب البرد وتساقط الثلوج ليست بالأولى في المناطق الحدودية؛ ففي منطقة عين دراهم في الشهر نفسه من السنة الماضية توفيت الطفلة رانية أيضًا من جراء البرد والفقر في كوخ معزول، وطرقات مسدودة، مما حال دون نقلها إلى المستشفى وإنقاذها. على تخوم جبال خمير يتضافر الفقر والثلج ليحيكا معاناة آلاف المواطنين الذين عجزوا عن افتكاك أولادهم من الموت؛ بسبب تردي أوضاعهم الاجتماعية والمادية، وقلة الإمكانات والوسائل التي يكابدون بها شظف العيش في تلك الرقعة المنسية، فضلًا عن تواصل تهميش الدولة لهم.

الدولة عاجزة بذاتها.. قادرة بحلولها الترقيعية

طيلة ثلاثة أشهر يعيش سكان الشمال الغربي تحت سطوة الثلوج والبرد، في ظل تدهور البنية التحتية، وغياب أبسط متطلبات العيش، وضعف الإمكانات. هذه الظروف الطبيعية القاسية ما فتئت تفضح تهاون الدولة واقتصارها على الحلول الترقيعية التي تبين مدى عجزها عن احتواء مواطنيها في تلك المناطق المنسية، ووضع آليات وميكانزمات جديدة لمجابهة الكوارث، واتخاذ إجراءات وقائية قبل وقوع الكارثة وسقوط الضحايا. ولكن الدولة أقرب من ذلك إلى توخي سياسة التهميش العمد لمناطق الشمال الغربي، وإقصائها من مخططات التنمية غير الموجودة بالأساس. فالعلاقة بين سكان تلك المناطق والدولة تختزل في أغطية، وعلبة طماطم، وقارورة زيت، و«كيلو مقرونة»، هذا فقط ما تجود به الدولة على مواطنيها من حين لآخر لمجابهة الثلوج، غير أن أمل الحصول على تلك اللقمة سرعان ما يتبخر أمام الطرقات المقطوعة. دون إغفال تسابق السياسيين على أهالي تلك المناطق المنكوبة للمتاجرة بمعاناتهم وآلامهم، كلّما اقترب موعد الانتخابات، بما في ذلك زيارة رئيس الحكومة يوسف الشاهد مؤخرًا لمنطقة عين دراهم، والتي تخفي في طياتها حملته الانتخابية المبكرة، طالما أنه سيكون مرشحًا لرئاسيات 2019، فالشاهد لم يزر أهالي عين دراهم لتنفيذ البرامج التنموية وتشغيل العاطلين؛ إنما طمعًا في شراء أصواتهم الانتخابية مقابل وعود زائفة، واستغلال أوضاعهم الصعبة، ومشاكلهم الاجتماعية؛ للتشدق والمتاجرة بها في المنابر الإعلامية.

التوظيف الحكومي

واللافت للانتباه أيضًا، أنّه كلّما أعلنت الثلوج عن قدومها في تلك المناطق إلا وتتالت صور «البطولات» التي تقدمها بها وحدات التدخل والحماية المدنية في سبيل إنقاذ المواطنين المعزولين، وانهالت عليهم عبارات الشكر والثناء تثمينًا لمجهوداتهم ظاهريًّا، ولكن في باطنها هي دعاية رسمية للدولة في محاولة للتغطية عن عجزها وفشلها في النهوض بتلك المناطق الحدودية منذ الاستقلال. إلا أنّ القائمين على تلك الدعاية تناسوا أن المجهودات المبذولة من قبل وحدات التدخل والحماية هي في إطار واجبهم تجاه المواطنين لا غير، ولكن التوظيف الحكومي أصبح ضرورة لا غنى عنها.

تتالي حالات الوفاة بسبب ثنائية الفقر والثلج لا ينّم إلا عن فشل الدولة، وعجزها عن احتواء مواطنيها وتدارك الأوضاع قبل وقوع الكارثة، وما زاد من تهميش تلك المناطق النائية هو تعاقب الحكومات دون الخروج برؤية استراتيجية واحدة لفائدتها، عدا الحلول المسكنة التي تظهر نتائجها السلبية على المدى القريب، لعلّ ذلك ما يجرّنا للتساؤل: إلى متى ستظل الدولة صامتة إزاء احتضار مناطق الشمال الغربي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد