ليست مجرد الخلية الأساس في المجتمع السوري أو كما يصفها الاقتصاديون وحدة اقتصادية تحقق الدخل المناسب لاستمرار الحياة، بل هي مشروع حلم لكل فرد من أعضائها وبوابة لحلمها الكبير بالسعادة والرفاه وربما في الآونة الأخيرة بدت الكرامة مطلبًا للجميع.

امتدت آلام الأسرة السورية على مساحات الزمن الذي طال ويطول وقد يكون من غير المنصف أن نقول بدأ مخاضها في ستينيات ذلك القرن، وتوسعت الآفات فيها بالتوالي حتى بلغ الجرح حد النزيف.

واجهت الأسرة السورية وتواجه تحديات عديدة ومريرة، وحيث تكون وحيث تقيم سواء كانت تعيش على أرض يسيطر عليها نظام الحكم أم تعيش على أرض تسيطر عليها المعارضات المختلفة، الحقيقية منها والمصنعة حسب الطلب الدولي.

لو أردنا تسليط الضوء على أبرز هذه التحديات لوجدنا:

1- التحدي القيمي والفكري

حيث واجهت الأسرة السورية الواحدة هذا المشهد المعقد وانقسمت المواقف بين مكونات الأسرة حسب شدة منظومة القيم الناظمة لسلوكها، فهناك من آمن بالثورة وشغف قلبه بالتغيير ونظر للأسرة السورية على أنها مشتركة بالآلام والآمال وكان يرى اللون واحدًا موحدًا والحلم بالتغيير مشترك بين كل مكونات أسرته السورية.

وهناك من تمترس وراء طائفية كريهة وانتهازية وانهزامية مقيتة ولم يعد يرى سوى المؤامرة والحقد والكراهية وطغت الألوان القاتمة في نظره على اللون الناصع الواحد.

وهناك من يتفق مع مبدأ التغيير ولكنه يعترض على الأدوات، وهذا غالبًا يجتاحه الأمل ويخنقه الألم، فبدأ الشرخ القيمي واضحًا في الأسرة والقبيلة والحي والمشيخة والمرجعيات الدينية واللادينية، وانعكس ذلك في العلاقات ما بين مكونات الأسرة.

2- تحدي الهجرة والتهجير

لم يعد خافيًا على أحد كيف يبدو الطيف السوري على امتداد جغرافية العالم فمن النادر ما تجد أسرة سورية ليس لها طفل أو شيخ أو امرأة في بلدان اللجوء سواء في أوربا أو غيرها من البلدان الإقليمية المجاورة، وتشهد البحار والقوارب وأحشاء الحيتان والأسماك على خارطة هروب السوري ولجوئه، وكذلك التهجير القسري والداخلي والتغيير الديموغرافي وذلك استجابة لمشاريع دولية تلاقحت مصالحها على أرض الأنبياء والقديسين سورية، أو هربًا من آلة البطش الهمجية التي تدين الأسرة بمعايير الجغرافية والجيولوجيا وقسمت الوطن إلى كانتونات ولونتها برايات مختلفة وحسب مزاج العهر السياسي كانت الأسرة هي أسير التفاوض والمقايضة، وسيأتي اليوم الذي ستشهد فيه الحيتان البشرية وأمراء الحرب وأذلاء الحكم وعبيد السلطة على خارطة تدفق دم الأسرة السورية على مذبح الحرية.

3- تحدي احتياجات الطفولة

للطفولة متطلبات نفسية وعاطفية يجب تلبيتها لتأمين نفسية الطفل، وبالتالي شخصيته المتوازنة في المستقبل، والطفل في الأسرة السورية ما زال محكومًا بالخوف والرعب من الأصوات والمشاهدات وهدير أسلحة التدمير الشامل في حارته ومنزله، وهناك من فقد والده أو والدته أو أحد أفراد أسرته بالموت أو الفقد أو الاعتقال، وحتى أحلام الأطفال وألعابهم تلوثت بآلة الحقد والدمار ومن كتبت له النجاة يقف حائرًا عاجزًا أمام أطفاله، بما فيهم الأسرة التي هاجرت واستوطنت بلادًا آمنة فثمة تحديات للطفولة في الغربة لا تقل قسوة عن سابق ما ذكرناه، فماذا ننتظر من جيل الخوف والرعب، وهل من سبيل إلى تفادي بعض من هذا الخراب المتراكم في طفولتنا وأجيالنا القادمة؟

4- تحدي تأمين سبل العيش

إذا انطلقنا من الأسرة التي لم تغادر منزلها والذي لم يتهدم وفيها عامل أو موظف لا يزال على قيد الوظيفة الحكومية أو في القطاع الخاص ولم يتوقف راتبه لسبب ما حتى الآن، يواجه الفجوة بين الدخل ومتطلبات المعيشة وارتفاع الأسعار وجشع تجار الحروب ومقايضة الخدمة بالولاء ويعاني في تأمين متطلبات العيش الإضافية وإن كان محظوظًا ممن تصلهم حوالة مصرفية من مهاجر أو لاجئ لا تتجاوز قيمتها 75 دولارًا شهريًا ويكتم اخبارها لعل فيها شبهة أو تحريض على الأمن القومي العربي.

أما الأسرة التي تهجرت داخليًا ونزحت أكثر من مرة وحسب إيقاع السلاح فهي تواجه تحديها المعاشي بإعلانها حد الكفاف وحد عدم السؤال وغالبًا مصدر دخلها يكون من حوالات مصرفية خارجية وبعض الاعمال الصغيرة والعمالة الماهرة في بعض المجالات الخدمية، وهناك أهلنا القاطنون في الخيام على حدود البلدان المجاورة يعتمدون على ما تبقى من ضمير الإنسانية الخجل والذي يبدو لهم على هيئة سلة غذائية أو وجبة ملابس، فيا للعار وعلى جبين كل الهيئات الدولية والمحلية التي عجزت عن درء برد الشتاء أو حر الصيف عن الأسرة السورية ذبيحة الحدود.

5- فقدان التعليم والخدمات الصحية

تشير بعض الإحصاءات الواردة في دراسات منشورة وغير منشورة إلى أرقام مرعبة لعدد الأطفال الذين لم يلتحقوا بالمدرسة أو الذين انقطعوا، وذلك حسب قدر هذا الطفل هو وأسرته أين تعيش وكم مرة نزحت وأين استقرت وضمنًا الأسر التي تعيش في مناطق سيطرة النظام، فهناك من انقطع لعدم توافر عامل الأمان وهناك من انقطع بسبب ضيق ذات اليد وناهيك عن الشباب في مراحل التعليم المتقدمة والذين هربوا من التجنيد والتشبيح.

وقد يكون تدني مستوى الخدمات التعليمية في جميع مراحلها أيضًا من التحديات التي واجهت الأسرة السورية، ولم يكن وضع الخدمات الصحية بأفضل حال من التعليم ومع ابتعاد حكومة النظام عن القيام بدورها ومهامها تجاه المجتمع وضعف الامكانات المادية والمالية والبشرية وكذلك انشغال قيادات المعارضة السياسية والفصائلية تدهورت الخدمات الصحية، وفي المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضات تاجرت المنظمات ذات الطابع الصحي في هذه الخدمات ونمت طبقة هلامية لزجة من أطباء فاشلين ومنزوعي القيمة والضمير وكانوا الوسيط بين المانح والممول وبين متلقي الخدمة واستغلوا الأوضاع الأمنية الرديئة وكثرت المشاريع الورقية، والتي يصادق عليها ويتم تحصيل التمويل باسم المحتاجين ومرضى اليوم أو موتى الغد، ويتم وتوزيعه كحصص لأعضاء الفريق والخدمة بحدها الأدنى.

وفي الختام نقول لو أردنا تحليل المتغيرات إلى مكوناتها لوجدنا أن قائمة التحديات التي تواجه الأسرة السورية تطول وتطول مع طول أمد الكارثة ولكن نذكرها اعتدادًا ليس إلا بأن النوع السوري والأسرة السورية محكومة بالأمل والأمثلة كثيرة على تفوق السوري في مجال الدراسة والعمل والإبداع والتأقلم وفي جميع البلدان التي وصلوا إليها مهجرين ولاجئين، وحتى الذين لم يغادروا أرضًا سورية بصبرهم وقدرتهم على التأقلم والتسلح بالأمل، مما يحدو بنا الاقتداء بصبرهم وعزتهم وانتظار ضوء النهار القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد