يُحيلُنا مفهوم التصوف على مجموعةٍ من الأبعاد الرمزية والإشارية، ويعتبرُ مفهوم التصوف من أقدمِ المفاهيم العربية على مَرِّ التاريخ، إذْ منذ زمن سيِّد العارفين «ابن عربي» إلى حدودِ الآن ولا زالَ هذا المفهوم متداولًا. في هذا المقال الموجز سأتطرَّقُ وبإسهاب لهذا المفهوم (التصوف) الذي يحملُ في طياتِهِ أشياءً كانت وستبقى عصيةً على من يُصدرُ حكم قيمة على هذا المفهوم. إذن، ما التصوف؟ وكيف ظهر التصوف؟ وما هي أبرز سمات المُتصوفَة؟

إنَّ الحديث عن مفهوم التصوف ما هو إلّا فسحة جميلة لفتحِ بابِ التعمُّقِ والتحليل، وفي سِبْرِ أغوارِ التصوف نجدُ مجموعة من المفاهيم الشائكة على سبيلِ المثال (الزمنية، الإشارية، التطاحن…). التصوف ليس دليلًا على أنَّ المتصوفة كانوا يلبسونَ الصوف كما يحلو للبعض أنْ يقول، بل إنَّ التصوف هو حُبٌّ وتقرُّب إلى الله عنْ طريقِ المحبَّةِ، وهو انعزالٌ عن البشر، ليس هنا الانعزالُ والوحدة بمعنى مرض نفسي أو ما شابه ذلك، بل إنَّ الوحدة هي راحةٌ عند المتصوفة.

لقد جاءَ مفهوم التصوف بعد أنْ اقتتل الأديبُ والفقيهُ والفيلسوف إلى أنْ جاء صوتٌ ليس بعدهُ صوت إذْ يرفضُ وبشدَّة فكرة التطاحن والقتل وحَزِّ الرؤوس وسَفْكِ الدماء، كلُّ هذا كان رائجًا بين الفقيه والأديب والفيلسوف من أجل بقاءِ واحد فقط على رأسِ «الدولة التاريخية الزمنية»، ليأتي المتصوف ويبتعدُ عن هؤلاء الذين لا يَفقهون شيئًا في كيفية عيش الحياة بطريقة جميلة. إنَّ المتصوف يحِبُّ الحياة، وهذا ما جعلهُ يؤسس دولة جديدة وهي الدولة «الروحية الرمزية الإشارية»، وبواسطةِ هذه الدولة استطاعَ المتصوف أنْ يبتعدَ عن التطاحن، والمتصوف لا يُكلِّفُ نفسهُ بالرَّدِ على كلٍّ من الفقيه والأديب والفيلسوف. الفقيهُ يُعرِّفهُ حجةُ الإسلام «الإمام الغزالي»: هو معلِّمُ السلطان ومُرشدهُ. فالفقهاء لا يخافون على الدين بلْ يخافون على كراسيهم المُزورة التي كسبوها دونَ استحقاق، أمَّا الأديب هو العالمُ باللُّغة، وأخيرًا الفيلسوف الذي يدرسُ النصوص بطريقة نقدية، وهذا ما جعلهُ في صراعٍ دائم بينهُ وبين الفقيه والأديب، فالفقيهُ والأديب والفيلسوف كلُّهم ساردون وهدفهم في تلك الفترة هو حكمُ العالمِ بأفكارهم.

تتعددُ مبادئ التصوف ولكن سأركِّزُ على أهمها: المبدأ الأول هو الحيرة، وقد جسَّدهُ سيِّدُ العارفين «محي الدين بن عربي» في جملةٍ تستحِقُّ جُلَّ الاهتمام: «الإنسانُ الكامل هو من عظُمة حسرتهُ وذابت حيرتهُ». وثاني مبدأ هو الحب، فالحبُّ عند المتصوفة ليس ذلك المفهوم البديهي العابر بل هو ركيزة من ركائزِ التصوف وقد جسَّدهُ «ابن عربي» في جملةٍ رائعة: «أدينُ بدينِ الحُبِّ… فالحبُّ هو ديني وإيماني». إذن فمبدآ التصوف اثنان (الحبُّ والحيرة) إنْ اختلَّ أحدهما أصبحَ التصوف قابَ قوسين أو أدنى. إن الحب هو ضرورةٌ قصوى لِفَكِّ أشكالِ التطاحن بين المُسلمين.

لقد مجَّد المتصوفة الجهل وقاموا بقدحِ العلم، الجهل هنا ليس معناه الأمِّي بل يُقصدُ به جهلُ الفقهاءِ والأدباء والفلاسفة، وهذا الجهل تطرَّقَ له «النِّفري» كثيرًا في عدَّة أبيات شعرية لعلَّ أبرزها:
– العلمُ المستقر هو الجهلُ المستقر.
المعرفةُ التي ما فيها جهلٌ هي المعرفة التي ما فيها معرفة.
– كلَّما قويتَ في العلم، قويتَ في الجهلِ.
كما نجدُ شاعر عراقي مُعاصر «مظفَّر النواب» يقول جملة يختمُ بها ما قلتهُ: «ويزيدك عمقُ الكشفِ غموضًا، فالكشفُ طريقٌ عدميّ».

إنَّ التجربة الإسلامية في بداياتها كانت مبنية على القتل والتطاحن إلى أنْ جاءت صرخةُ المُتصوفة، ليؤكدوا وبإقرار كفانا كفانا قتلًا، وتعالوا إلى الحب. لعلَّ أبرز تناقض بين الفقيه والمتصوف، فالأول مبدأه هو اليقين، أمَّا الثاني فيتمحورُ حولَ مبدأ الحيرة.

انصبَّ اهتمام الفقهاء حول تدبيرِ الشؤونِ الفردية والأخلاق، وهنا فالمتصوف هو ضدَّ دولة الفقهاء المدعومةِ من طرفِ الأدباء، فالمتصوف هو مصارع من صُلْبِ الواقع ضدَّ الدولة التاريخية الزمنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد