التصوف هو فعل الصوفية، وهو مذهب فكري إسلامي، ظهر  بوضوح خلال القرن الثالث الهجري، لكن الصوفيين لا يرونه مذهبًا، إذ يعتقدون، أنه مثلما يهتم علم العقيدة بالإيمان، وعلم الفقه بالإسلام، فإن الصوفية مرتبطة بمقام الإحسان، كمقام فيه يربي المسلم ويطهر نفسه من الرذائل ويحليها بالفضائل، وهناك من رواده من يعرفه، أيضًا بأنه رحلة الزهد، والبحث عن الله، بمجاهدة النفس، وتحقيرها وفقهم، لعل من أبرز هؤلاء الرواد، شمس الدين التبريزي، وجلال الدين الرومي خلال القرن الثالث عشر الميلادي، ومحمد متولي الشعراوي في القرن الماضي.

في المغرب هناك من يرجع ظهور الصوفية، إلى البدايات الأولى، من الفتح الإسلامي للأندلس، الذي أدى إلى تلاقح الثقافات، وتراكم التجارب، إلى أن فطن المغاربة، إلى هذه التجربة، ومع مرور الوقت، أصيحت فلسفة إعتقادية مع ظهور بوادر تلاشي الدولة المرابطية، بيد أن النزعة الصوفية بالمغرب، مرت من العديد من المراحل التاريخية والتي ساهم الانتقال من واحدة منها إلى أخرى، عدة عوامل تاريخية واجتماعية.

إذ إن الصوفية، المغرب، ظهرت في بداياتها، كفعل فردي ديني محض، واتسم رواده أنذاك بالإغراق في التقشف، والتشدد والصرامة، وهو مادفع بمفكرين وباحثين مغاربة عديدين – كالدكتور عبد الكريم الجلالي – إلى وصف هذه المرحلة، بأنها غياب جهاز صوفي جماعي منظم، سوى أن  هذه الوضعية لم تدم طويلًا، إذ شذبت في القرون الثلاثة الموالية، للفتح الإسلامي، وتطور التصوف ليصير – نظريًا وسلوكيًا – فعلًا جماعيًا، بفعل إحتكاك المغاربة بالصوفيين المشارقة الأندلسيين.

لكن التجمع الحاصل المذكور أعلاه، مثلما كان له إيجابيات، تجلت في الاستفادة من التجارب الحياتية للصوفيين، وتبادل المعارف الدينية بينهم، سوى أن هذه الثمرات، لم تمنع من جني مجموعة من العثرات، جراء هذا التجمع، ويمكن إجمالها في بروز نوع من التطاول على الذات الإلهية، ونوع من الممارسات التي لا تمت للإسلام، ولا التصوف، بأية صلة، مما كان بابًا لبروز الطريقة أو الزاوية الشاذلية مع أبو الحسن الشاذلي خلال النصف الأخير من القرن الثالث عشر الميلادي.

وقد دعت الطريقة الشاذلية، إلى اعتماد نوع من الإصلاح الذاتي، للمتصوفين لأجل الترفع بالصوفية وفقها مما علق بها من الإنحرافات والبدع، وهو ما أدى إلى استمالتها للعديد منهم، وعولمتها – إن جاز التعبير ليصل صداها – وإن بنسبة ضئيلة – المشرق والأندلس  وهو مايفسر لنا، قيام العديد من الأجانب، القادمين من إسبانيا – الأندلس سابقًا – قصد إحياء عادات أجدادهم، خصوصًا خلال المواسم والأعياد الدينية.

وحتى هذا الحين، لم تندمل جراح الصوفية بالمغرب، فلا الطريقة الشاذلية، بقيت على أسسها الصحيحة، ولا البدع والإنحرافات التي كانت من قبل زالت، وهو مادفع بالعديد من العلماء الصوفيين، إلى استشعار الخطر مجددًا، لكن هذه المرة بإبراز طرق جديدة قائمة على الأسس الشاذلية، لكنها تحرص على نوع من التجديد والاجتهاد في الطقوس، في مقدمتها، الطريقة الجزولية، التي ساهمت في نشر الطريقة السابقة، فجل الزوايا الشاذلية – وفق الجزولين – أصلها شاذلي، وينسب هذا الإصلاح – الطريقة الجزولية – إلى أبي عبد الله محمد بن سليمان الجزولي سنة 1464، وقد نسبت الطريقة بالجزولية نسبة إلى قبيلته «جزولة» المنحدرة  من البربر بسوس الأقصى، ومنذ ذلك الحين أصبحت الزوايتان الاثنتان من أهم الفاعلين الأساسين داخل المجتمع المغربي، بدأ من مواكبة احتفالاته بأعياد الميلاد النبوي، مرورًا بتنظيم حلقات الذكر الجماعي، وليس انتهاء بلعب دور هام في التأثير على المغاربة، إبان فترة الاستعمار الفرنسي حيث كانت تلعب دورًا داعمًا للمستعمر الفرنسي تارة عبر إثارة الجانب الديني للمغاربة، وحلقة وصل تارة أخرى بينه وبين الشعب المغربي.

ختامًا، لا يمكنني إلا الإشارة إلى أنه على الرغم من التطور التاريخي، الذي رافق الفعل الصوفي بالمغرب، إلا أن ثلة من الانحرافات الفكرية الدينية لا زالت تعتريه، ناهيك عن استغلال الزوايا التي يقام بها كملجأ لمصدقي الخرافات والدجل والشعوذة، وليس انتهاء بسيادة تبذير لأموال الشعب والدولة، الأول عبر القرابين المقدمة لـ«أولياء الأضرحة»، والثانية عبر دعمها المالي الخيالي لهذه الزوايا، التي عاد بعضها عبره وسيلة للإجتماع على ولائم شهية لا أقل ولا أكثر، وهو ما يسائلنا جميعا – دولة وشعبًا – ألم يكن من الأفضل التعبد والمدح بالبيت وتصريف هذه الأموال في دعم الترجمة والبحث العلمي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التصوف

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد