ما أن تنطق لفظ (التصوف أو الصوفية) حتى تجد نفسك أمام رأيين متناقضين،الأول يرى هذه الكلمة ما هي إلا دلالة على الانحرافات العقائدية والبدع السلوكية والشطحات غير العقلية،والثاني يرى الكلمة نفسها هي جماع الإسلام ومِلاك أمره.. ثم ترجع إلى الواقع فتجد (الصوفية)دلالة على مجموعة من الدراويش المنقطعين للعبادة ولا شغل لهم بأمور الناس إلا حينما يستدعيهم الحاكم لتأييده والتصفيق لهم،فالجماعات الصوفية -في عصرنا- دائمًا ما تكون هي الصورة المرجوة للحركات الإسلامية عند الحكام، وذلك لانصرافهم التام عن السياسة والإصلاحات الاجتماعية، وحكام أمتنا في الآونة الأخيرة لا يريدون إلا مثل هذه النماذج الساذجة التي تحصر الدين في صورة رسوم شعائرية داخل حدود المساجد فقط، ولا تخرج به إلى حيز الدنيا ومجالاتها.

وهذان الرأيان المتشددين يمينًا ويسارًا ليسا صحيحين،وهذا الواقع المزري لمدعي الصوفية حقيقة لا ننكرها ولكنه ليس الصورة العملية الصحيحة للتصوف،فما هو التصوف؟ وما علاقة الجماعات الصوفية بصورتها الحالية به؟

إن التصوف في الأدبيات الإسلامية هو المرادف لكلمة (التزكية)،وهو الضلع الثالث في مثلث علوم المقاصد الإسلامية،فإن كان علم الفقه يختص بالجسد والجوارح وأفعالهم وعلم العقيدة يختص بالعقل وأفكاره فإن علم التزكية(التصوف) يكمن اختصاصه في القلب ومشاعره.

فالتصوف هو اسم عَلَم لعلم إصلاح القلوب وتزكية النفوس وتصفية الأخلاق والمشاعر وتوجيهها إلى الله،ويمكن تسميته بالتزكية أو التربية،ولا يضر اختلاف اللفظ مادام اتضح المعنى.

يتضح إذًا أن التصوف علم من علوم المقاصد الإسلامية لا يمكن إنكاره ورفضه بالكلية،وأيضًا لا يمكن الاعتماد عليه فقط مع إهمال ضلعي المثلث الآخرَيْن العقيدة والفقه،وبناءً عليه فإننا نحكم على أي لون من ألوان التصوف وسلوكياته بالصحة أو العلة عن طريق عرضه على الكتاب والسنة،تمامًا كما نفعل مع الفقه والعقيدة..فبديهيًّا أنه لن يخلص قلب لله عن طريق ارتكاب معصية ولن تصفو نفس وتتزكى بالانحراف عن أمر الله.

مع اتساع رقعة دولة الاسلام وانتشار نفوذها تداخلت ثقافات وأفكار أخرى كان لها تأثيرها السلبي على علوم العقيدة والفقه والتصوف،فتصدّر الفقهاء والعلماء لرد الشبهات وإرجاع الأمور إلى نصابها الصحيح، واستقر الأمر في العقيدة والفقه،وكانت الكثير من المحاولات التي سعت لتنقية هذا العلم من الشوائب مثل الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين،والقشيري في رسالته،والجُنيد وابن عطاء وغيرهم؛ مما أدى لاستقرار هذا العلم.

غير أن بعض الوالجين فيه ممن ليسوا أهله لم تفارق أذهانهم تلك الانحرافات الدخيلة مثل عقيدة الاتحاد والحلول والتوسل للأموات وغيرها من المظاهر التي ينكرها التصوف الصحيح تمامًا،وانطلقت تلك الفئة المنحرفة في المساجد تزداد مع مرور الأيام خرافاتها وانحرافاتها حتى حصروا الدين كله في مجموعة شعائر تؤدى بالمساجد وحلقات للذكر، واستجدوا بدعًا ما أنزل الله بها من سلطان وخاصةً في فنون محبة الله وذكره دون مراعاة لأحكام فقه أو أفكار عقيدة،وطلقوا الدنيا ثلاثًا ونسوا أن المسلم مكلف بإعمار الأرض بشرع الله لا الهرب منها بحجة عبادة الله.

على صعيد آخر كان جُل المسلمين يعيشون بعيدًا عن هذه الانحرافات والضلالات،يؤمنون بصحيح العقيدة ويطبقون صحيح الأحكام الفقهية ويزكون أنفسهم بالتصوف الصحيح المحرر من الدخن،وكان العلماء يحذرون من مسالك تلك الفئة المنحرفة ويناظرون أهلها ليكشفوا زيف باطلهم وضلالهم،فكان المنحرفون يدّعون أنهم حملة راية التصوف(رغم أنهم حرفوه) ويجادلون به حتى وإن خالف قولهم صريح النص القرآني أو النبوي،ويرد عليهم الفقهاء بالأدلة..فوقع الخطأ بأن ظن العوام أن الفقه والتصوف متناقضان.

وطالما انتصر الفقهاء فإن التصوف من الضلال،ونسي الناس أن التصوف والفقه متكاملان،وأن الفقهاء انتصروا على مدّعي التصوف المنحرفين وليس على التصوف نفسه..بل إن الفقهاء لا يعدون عن كونهم مسلمين بحاجة إلى العقيدة والفقه والتصوف ولكن اختصاصهم العلمي والبحثي هو الفقه..فالمهندس لا يكفيه تخصصه الهندسي عن احتياجه إلى طبيب إنْ مرض أو اشتكى أي علة.

وانطلقت تلك الفئات التي تدّعي -زورًا وبهتانًا- حملها لراية التصوف، يلتزمون المساجد ويعتزلون الناس بحجة التقرب إلى الله،ونسوا أن النبي (ص) وهو أقرب الناس إلى الله وأشدهم حبًّا له كان يخالط الناس ويمشي في الأسواق ويقاوم الظلم ويدعو إلى الله ويجاهد في سبيل الله،بل نسوا تحذير القرآن للمؤمنين أن يسلكوا مسلك النصارى في الرهبنة والانقطاع للشعائر فقط.

إن الاسلام ليس فقط مجموعة شعائر تُؤدى،ولكنه منظومة متكاملة من السعي والبذل للوصول إلى الفردوس الأخروي وأيضًا الفردوس الدنيوي عن طريق عمارة هذه الأرض بخدمة هذا الدين ونشره ونشر قيمه ومقاومة الظلم.

إن الصوفي الحقيقي هو الذي يأخذ كتاب الله بيمينه وسنة رسوله بشماله، وينظر بإِحدى عينيه إلى الجنة، وبالأخرى إلى النار، ويأتزر بالدنيا، ويرتدي بالآخرة، ويلبي من بينهما للمولى: لبيك اللهم لبيك..أما هؤلاء المبتدعون الذين يتمسحون بالتصوف ويعرضون أنفسهم على أنهم أهله فهم أبعد الناس عنه وأجهل الناس به.

نحن في أمس الحاجة إلى التصوف،ولكن التصوف المحرر من كل دخن وضلالات..كما يقول أ. سعيد حوى في كتابه (تربيتنا الروحية): نحن في عصر مادي وهذا يقتضي أن نقابله بفكر مكافئ وبحيوية روحية عالية، ونحن في عصر شهواني جاهلي وهذا يقتضي منا أن نقابله بأشواق روحية راقية مع تأمين الشهوات المباحة وإبقاء منافذها مفتوحة، ونحن في عصر قلما يوجد فيه من يضبط نفسه على مقتضى الأدب الإسلامي الرفيع، وهذا يتطلب منا إلحاحًا على التربية النفسية والروحية الرفيعة.

فواجب الحركة الإسلامية أن تستعيد التصوف الصحيح الذي يربي النفوس لا أن تهجره بحجة فساد بعض مدّعي الانتماء له، إن هجر علم من أجل بعض المنحرفين المدّعين له كما حرق البيت من أجل ذبابة دخلته، وكلاهما لا يقول به عقل.. فتربية النفوس وتصفية القلوب هي أول خطوات الطريق لا محالة للتغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصوفية
عرض التعليقات
تحميل المزيد