كما هو معلوم أن بعض العلوم والمعارف ليس حكرًا على دين أو فكر أو توجه معين، وإنما مشتركة بين العديد من الأفكار والأديان، وهذا هو حال هذا العلم الذي سنتحدث عنه في فقرات هذه المقالة، تعتبر دائرة هذا العلم رحبة شاسعة تُزهر بألوان وتصانيف ومشارب شتى، من ثقافات وأديان وتوجهات عديدة ومختلفة يُشكل هذا العلم مساحته المطلقة والحرة والذواقة، يعمل من خلالها على الرقي بالروح والوجدان وعلوها إلى سماء المطلق هذا ما أجمعت عليه أغلب الأفكار التي تبنت مبدأ هذا العلم ألا وهو «العرفان»، هو علم خُصص للتركيز على الروح بجعلها مصدرًا للعمل ومنحى للإلهام والتجربة الفردانية، فابتكر كل دين وكل توجه رياضات وتمارين معينة، وسنوا طقوسًا وصلوات ومقامات يرتقون من خلالها للفردانية المنشودة لتحقيق الخلاص المطلوب للنفس من كل ما هو مادي ليتفردوا بالمطلق.

يُعد هذا العلم هو الرابط بين مجموعة من الأفكار والأديان بصفته يحمل فلسفة ذات صبغة فطرية تعنى بروح الإنسان، فجميع البشر باختلاف مشاربهم في حاجة لخدمة أرواحهم والاعتناء بها، وقد أعطى كل توجه لهذا العلم اسمًا معينًا وطقوسًا خاصة، هناك ما تختلف فيه كل ديانة عن الأخرى في التعامل مع هذا العلم وهناك ما قد تتشارك فيه وتنسجم، سنستعرض في هذا الفقرات ملخصًا لما قد يعرفنا بشكل أدق الاختلاق الحاصل وأيضا المشترك بين هذا التوجهات في تبني هذا العلم والتعامل معه.

أولًا: عند اليونان

فقد كان لدى اليونانيين القدماء ما يسمى السوفيا أو الحكمة الإلهية التي تبناها أهل الأفلاطونية الحديثة، وتدعو هذه الأفكار إلى تحصيل الحكمة عن طريق العمل على أسباب السعادة وعلاج الأخلاق والرياضة والترقي في معارج محبة الإله والتشوف لفكرة المآل والنزوع إلى عالم الحس، وأبرز أعلام هذا التوجه أفلاطون وإمام المشائيين أرسطو.

أو ما عرف بالثيوصوفيا لدى اليونانيين فهو أيضا علم يهتم بالجانب الروحي ويعتبر فلسفة يونانية قديمة، يقصد بها الحكمة الإلهية وقد عرفها سالومون لانكري: «أنها فن حياة يمكن لمن يعمل به أن ينفي بفضله قدراته الكامنة ويجعل روحانيته تنفتح «أما السيدة بلافاتسكي عرفته بـ: «هو من يميل إلى الميتافيزياء، من يهوى التأمل والتفكر في جوهر الإنسان وأصله وفي طبيعة الكون».

يقول البعض أن أصل أصول هذا العلم «العرفان» منشأه ومرده للأفكار اليونانية إذ أنها أقدم الثقافات والأفكار على مر الزمن، فنهل منها كل الأديان والمناهج بالخصوص التي وجدت بالشرق بحكم القرب والتواصل والترجمة التي كانت أول ما كانت خصت الكتب اليونانية خصوصًا كتب الفلسفة، لذلك عبر أكثر الباحثين إن لم نقل كلهم أن جميع أعلام التصوف خصوصًا الفسلفي منه تأثروا بمذهب «الأفلاطونية الحديثة» وكانت المصدر الأساسي للتصوف وبالأخص أفكار وحدة الوجود والحلول، التي تبناها العديد من فلاسفة المتصوفة أو المتصوفة الفلاسفة كابن عربي والحلاج والسهروردي المقتول وأبي يزيد البسطامي وسهل التستري وابن الفارض ولسان الدين بن الخطيب وغيرهم، فعلى مستوى تبني الأفكار قال الدكتور أبو العلا عفيفي أن ابن عربي تأثر بالفكر الأفلاطوني كثيرًا، ومستوى تطابق الأقوال والقواعد قال بها الدكتور عبد الرحمن بدوي حيث علق بأن أقوال الأفلاطونيين تشابهت كثيرًا مع أقوال أهل الطبقة الأولى من المتصوفة (السلمي، والشعراني، والهروي … )، ومستوى تطابق المصطلحات والتعاريف كـ: العلة والمعلول، والباطن، والوجود، والعقل الأول، والمطلق.

ثانيا: عند الهنود

كما هو معروف أن الهند بلد كبير جدا بمساحته وبعدد سكانته وباختلاق الوانهم ومشاربهم أيضا، لذلك تواجدت على طول السنين بالهند مئات بل آلاف الأديان والمذاهب والمعتقدات، لكن أكثر ديانتين منتشرتين هناك هما «البراهمية» و«البوذية»، وتعتبر الهند أيضا أرض خصبة لعلم كالتصوف بحكم اهتمام أهلها ودياناتها بالروحانيات والخوارق والفردانيات، وتظهر هذه التجليات خصوصًا في الديانتين الأكثر انتشارا هناك لا من حيث التسمية أو الموضوع أو العادات والمقامات والقصود أيضا، فاسم التصوف والروحانيات والأخلاق موجود طيلة الأزمنة بالهند وأيضا موضوع الاهتمام بالنفس وممارسة الرياضات والاعتراف بالمقامات أو القصد الأخير وهو الوصول للمطلق أو النّفس كما في بعض الأفكار، وتدعوا هاته الديانات إلى تهدف لخدمة الروح والنفس من منظورهم، كالدعوة الى أن السعادة والنجاح في ترك الدنيا والملذات والمادة، إضافة إلى مجاهدة النفس وتعذيب الجسد والرياضة، تدعو أيضا إلى الزهد ونكران الذات والرهبانية المفرطة بالصوم والتعري.

لها بعض الأفكار والقواعد المشتركة مع باقي الرؤى الأخرى للتصوف أو العرفان :

– أن السعادة والنجاة في التحرر من الملذات والدنيا لبلوغ للخلاص «التناسخ».

– الأماني والملذات هي سبب تعب وألم وشقاء الإنسان.

هذه الأفكار كلها قريبة مما يعتقده المتصوفة بشتى تلاوينهم، حتى فكرة التناسخ قريبة من يومنون بفكرة الحلول والاتحاد، أو بمعنى عام «الفناء»، ففكرة النيرفانا لديهم هي وصول الذات الإنسانية لمقام منفرد تتحد في الروح مع الذات المطلق.

هذه أمثلة لبعض المعتقدات التي وافق سواء اسمها أو مضمونها أو قصدها مبدأ العرفان أو علم التصوف من المنظور الإسلامي، الذي باختصار هو علم يعنى بالجانب الروحي والأخلاقي لدى الإنسان ويسعى إلى ترقية الانسان والعروج به في معارج المطلق والملكوت وينهل من فلسفة وفكر متسامح ومسالم ويهدف إلى الوحدة والتعايش ورد الاعتبار والقيمة للإنسان باعتباره إنسانًا وكل الماديات أو الأفكار المتطرفة فهي في قاموسه تخرج الإنسان من الإنسانية إلى البهيمية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

روضة التعريف بالحب الشريف: لسان الدين الخطيب.
تاريخ التصوف الإسلامي عبد الرحمن بدوي.
تعليقات أبو العلا عفيفي من كتاب فصوص الحكم لابن عربي الجزء الثاني ص 41 و 42.
ما للهند: أبو ريحان النيروبي.
ترجمة تاريخ أديان: علي أصغر حكمت.
عرض التعليقات
تحميل المزيد