لم تكن هناك حضارة أكثر قوة ورسوخًا من تلك التي عرفتها أوروبا المسيحية بعد سقوط روما، في القرون الوسطى كانت أوروبا من أكثر المجتمعات التي عرفت تصلبًا وعنادًا وكراهية للمرأة، مجتمع مهووس بالاستقامة، والأخلاق والكبت الجنسي، من الصعب أن نتصور ونحن في وفرة الإشباع الحسي الملل الذي كانوا يعانونه في الماضي، وصلت لهم ثياب وأصباغ وتوابل العالم الإسلامي الأكثر تطورًا، لقد أحدثت صدمة حضارية لمجتمع لم يعرف إلا البيرة والصوف الخشن.

كانت تجارة التوابل هي القاعدة التي انطلقت منها التجارة الحديثة، انهارت أوروبا المسيحية بسبب الهوس لكل ما هو جديد،القهوة والأفيون والكاكاو والسكر، وبسبب هذا تدمرت حضارة أوروبا القديمة.

السكر

إن الإسراف والانتشار الكبير للسكر في استخدام الإنسان الآن يعد دليلًا واضحًا على أننا أمام أكبر حالات الإدمان انتشارًا في العصر الحديث وهو يسبب الضرر، فإن المصابين بالشره لا يكفون عن أكل السكر كل يوم وكل وقت ولا يكفون بالفعل عن أكل المواد المشبعة بالسكر لحد كبير وهذا يشبة الإدمان. إن السكر يعطي الإنسان حالة من الاندفاع والنشاط لفترة صغيرة بعد تناوله، ثم شعورًا بسيطًا بالذنب والألم بحسب كلام تيرنس ماكينا في كتاب طعام الآلهة.

كان من السلع التي انتشرت في فترة انهيار الحضارة الأوروبية، كان السكر معروفًا كمادة طبيه نادرة، عرف الرومان إنه يستخرج من مواد تشبه البامبو، كان ينمو بشدة في مناطق آسيا، كسرى الأول كان أول من استولى عليه واستخرجه كمادة طبية ولم يستخدم بديلًا للعسل إلا قريبًا، وصل إلى بريطانيا عام 1319 وصار معروفًا في السويد حوالي 1390 فقد كان مستحضرًا غريب الشكل غالي الثمن،كان يستخدم لتضميد الجراح، زرعوا السكر في مستعمرات الكاريبي، وحتى عام 1550 كان إنتاج السكر غاية في الضآلة ولم يبدأ البشر في إنتاجه إلا عام 1650.

لم يجز الباباوات في أوروبا السكر ولم يحظ حتى بتأييد علني من الحكومات الفاسدة الأوروبية.

يؤدي الإدمان على السكر إلى الإدمان غالبًا على الكحول، ويعد السكر ثالث أكثر البواعث على الإدمان ضررًا بعد التبغ والكحول، أقوى إدمانًا من الكوكايين، يؤدي إلى السمنة، وإلى تغير مستوى الكولسترول بالجسم، وإلى الإدمان المتعدد، فهناك علاقة بين إدمان الفرد لأكثر من مادة مخدرة بجانب السكر، وهو يدمر البنكرياس أيضًا.

كما أن له تاريخًا طويلًا مع تجارة العبيد، ولا مانع من قول إنه قد يكون هو سبب البداية الحقيقية للاستعمار والتجارة الشائنة بالبشر.

أسس الأمير هندي البرتغالي عام 1432 أول مزرعة للسكر في ماديرا تهدف للزرعة والاتجار في السكر ووصل للعمل فيه آلاف من المدينين واليهود والمحكوم عليهم في جرائم مختلفة، آلاف الأشخاص نقلوا كعبيد للعمل فيها من أوروبا لعشرات الأسباب الظالمة.

كان قصب السكر هو النتاج الأول للزراعة التجارية للاستعمار في أوروبا.

وبحلول سنة 1443 حمل أحد القادة للأمير الاستيلاء على سفينة للعرب المسلمين ذوي البشرة السمراء كان سيتم إيرادهم كعبيد إلا إنهم طلبوا من القائد أن يشتروا حريتهم فهم أبناء طبقات لا تصلح للعمل كعبيد. بأن يجلبوا له رجالًا من أبناء حام الأقوياء من أفريقيا كعبيد مثاليين في تلك الأرض ومن هنا بدأت تجارة العبيد.

بسبب هذا أوروبا خطفت آلاف البشر كعبيد للنهوض بصناعة السكر بدلًا من أن تذهب بأصحاب الجنايات والمشتبه بهم واليهود للعمل كعبيد، فالإنسان الأفريقي كان أرخص كلفة وأفضل عملًا.

السكر غير ضروري في حياة الإنسان، كان البشر يتدبرون أمورهم جيدًا قبل أن يكتشف إنه مجرد هزة ابتهاج، لقد قامت تجارته على جرائم إنسانية بشعة، السكر يعزز قيم الأنا عند الفرد بسبب شعوره بالحماسة مثل الكحول، إنه يضعنا عن بعد من نقطة الإحساس بالروحانيات المطلقة، وهو بذلك من تلك المخدرات التي تنتصر للغرب على الحضارات والأديان القديمة.

دعونا نتساءل ببساطة لماذا ينجذب الأطفال إلى الحلوى بحيث تصبح هي هدفهم الأسمى؟

الشاي

وصل الشاي والكاكاو والقوة إلى إنجلترا في أوقات متزامنة نحو منتصف القرن السابع عشر، مع حلول عام 1820 كانت آلاف الأطنان تصل من الصين، لم يكن مسموحًا لتجار الشاي بالتوغل في البلاد أو معرفة أي معلومات عن النبتة، كان الشاي يضاهي 5% من استهلاك أوروبا وهي لا تعرف شيئًا عن كيفية زراعته كسر مقدس.

كانت شركة الهند الغربية تضيف معدل الثلث إلى سعر الشاي وتقاضت بالتالي مائة باوند على كل طن من حوالي أربعمائة ألف طن تم تصديرها خلال القرن الثامن عشر، وارتفع معدل الشركة 17 مليون باوند، أي ما يوازي 800 مليون، في سنة 1800 كانت واسعة النفوذ وكانت موضع كراهية المهربين والمستهلكين على حد سواء واعتبرت نتيجة للاحتكار الفاسد والرأسمالية القبيحة.

عندما وصل فاسكو ديجاما إلى جزر مولكوس في شرق إندونيسيا تدنت أسعار التوابل في أوروبا وبدأ التنافس للفوز بالاحتكارات المختلفة للسلع، حتى طوت شركة الهند الشرقية عصر التجار المستقلين هذا، احتكرت السوق بالكامل، كانت مزودة بكل ما تحتاج حتى الجيش والسفن حربية.

في نهاية القرن الثامن عشر خسرت إنجلترا بعض مستعمراتها في شمال أمريكا بسبب الشاي، كانت خطة رئيس الوزراء نورث هي أن يبيع الشاي بأسعار رمزية في تلك البلاد مع فرض ضريبة صغيرة على الشعب ليعوض خسارته، لم يحتمل الناس الضربية وأشعلوا أسطول الملكة، مما أشعل ثورة كبرى جعلت إنجلترا تغلق ميناء بوسطن وكان ذلك سببًا رئيسيًا في إعلان أمريكا استقلالها والحرب الأهلية طبعًا.

بدأت تجارة الشاي تمر بظروف صعبة بسبب الاحتكار الكامل في أوروبا مما اضطر نابليون الثالث الذي كان قد طبع مبالغ مالية ضخمة إلى استبدال استثمار الشاي وتحويل الاستثمار القومي لفرنسا إلى تجارة مختلفة: الأفيون.

يحتوي الشاي على الكافين والثيوبرومين وهو ما يجعله يحمل بعض الإدمان تجاهه، والدليل على إنه يدعو للإدمان أننا نشرب الشاي يوميًا لعدل مزاجنا وليست الحلبة الحصى، في ثقافات أخرى يشربون الخمور .

أضرار الشاي: يسبب الأنيميا، واضطرابات القلق، واضطرابات النزيف، وارتفاع الضغط، والقولون العصبي، والتأثير السيئ على البنكرياس، وارتفاع السكر في الدم، وهشاشة العظام والعديد من الآثار الجانبية الأخرى.

القهوة

ابن سينا الطبيب والفيلسوف الذي توفي جراء جرعة زائدة من الأفيون 1037 وتلك كانت أول حالة وفاة سجلت لهذا السبب، كان أول من تحدث عن القهوة مع إنها كانت معروفة في إثيوبيا وشبة الجزيرة العربية، وكان ينسب لها خواص مدهشة.

عندما وصل البن إلى أوروبا بدأ استخدامة كدواء ولم يستخدم كشراب قبل عام 1100 فكان يخلط بالنبيذ ليضفي نوعًا من التنبيه للنبيذ المخدر .

كان جزء من الناس دائمًا يعارضون القهوة، لكن هؤلاء ظلوا أقلية دائمًا، وظل يحافظ على سمعة كبرى في العالم القديم كمصدر للضعف الجنسي مشهور، مع تاريخ طويل من المنع إلا إنه في عام 1777 أقرت السلطات الأوروبية أن القهوة مشروب مناسب لأعمدة مجتمع السيطرة، رجال الدين والأرستقراطيين.

مادة الكافين في القهوة كانت معادلًا لمادة الثيوبرومين، كان المشروبان يعززان من الإنسان الأوروبي، يثبتان الأنا وسلطتها، لقد كانا المفضلين أثناء الثورة الصناعية، رغم إنه كان معروفًا أن القهوة تسبب الإدمان وأمراض المعدة، واضطراب القلب، والحساسية والأرق، وأنه إذا أخذت بكميات كبيرة تؤدي إلى الارتعاش والتشنج.

ألقى جوته عليها اللوم بسبب نوبات الأرق التي كان يعاني منها وحالة الكآبة المرضية، منع المشروب مرارًا وتكرارًا على مر التاريخ، وكان مشهور بين الناس أنه يسبب العجز الجنسي، لم ينتشر  إلا بعد الثورة الفرنسية.

القهوة المفرط فيها بشدة تؤدي على المدى الطويل إلى الضعف الجنسي والهلوسة واضطراب عضلة القلب وزيادة الكولسترول وتصلب الشرايين.

الكاكاو

إن وصول الشيكولاتة إلى أوروبا المقطع الختامي للولع بالكافين الذي بدأ مع الثورة الصناعية، صنعت الشيكولاتة من الحبة المطحونة لشجرة الثيوبرومين كاكاو التي تنمو في الأمازون، يحتوي على كميات قليلة من الكافين، ولكنه غني للغاية  بالثيوفيلين وهو مادة قريبة من الكافين، يحدث إدمانًا كبيرًا، كان للكاكاو دور طقوسي ديني عند شعوب المايا اشتهر أن الحاكم الأزتيكي مونتزوما كان مدمنًا لشراب الكاكاو، لقد استعمل كنقود لدى المايا يدمج مع مخدرات أخرى ويقدم في الاحتفالات.

ما إن حملت الشوكولاتة إلى إسبانيا حتى لاقت إقبالا كبيرًا، لكن انتشار الشوكولاتة كان بطيئًا ربما بسبب وجود العديد من المنبهات الجديدة التي استولت على أوروبا.

لم تصل الشوكولاتة إلى إيطاليا والبلدان المنخفضة حتى عام 1606 ووصلت إلى فرنسا وإنجلترا في الخمسينيات من القرن السابع عشر، وقد أخذت شعبية كبيرة واشتهرت بأنها الكوب الذي يهيج ولا يسكر.

الثيوفيلين في الكاكاو يؤدي إلى العديد من المضار على الرغم من أن للكاكاو فوائد عدة كما لكل ما سبق، ولكن للنبيذ العديد من الفوائد أيضًا، يؤدي الثيوفيلين إلى زيادة ضربات القلب وتوسعة المجاري التنفسية، كما أنه يعتبر مدرًا للبول أفضل من الكافين، وإن الأثر الرئيسي الذي ينتج عن تناول هذه المادة هي ارتخاء العضلات المتصلة بالمجاري التنفسية، وارتفاع ضغط الدم وتدفقه للكلى، كما أن لها أثرًا في تثبيط التفاعلات التي تؤدي إلى الالتهابات.

ما أود قوله إن تلك المشروبات نستعملها يوميًا في حياتنا ونستخدمها على الرغم من أنها تؤثر على العقل وتسبب العديد من الأمراض، أكثر أحيانًا من الخمور والمخدرات بالإضافة للتبغ، هذا كله يحتاج منا إعادة نظر في مفهوم المسكر والتحريم على الذات، إعادة نظر في مفهوم الخمور، والحكم الديني والأخلاقي لها، لقد كنا دائما نستخدم المواد التي تؤثر على العقل إلا أننا في عصر لم يعد من الممكن الاستغناء عن تلك المواد بقليل من التفكير، يمكن اعتبار التليفزيون ووسائل التواصل نوعًا من المسكرات، فهي تذهب العقل وتصيب الإنسان بالوهم.

أظن أن هذا العصر يحتاج إعادة تفكير في العديد من الأمور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات