(1)

ترسخت شائعة غير دقيقة في أذهان كثير من الناس، ورددها كثير من الكتاب والباحثين، مفادها أن الدول الإسكندنافية (الدنمارك والنرويج والسويد وفنلندا) والتي تقع في شمال أوروبا من أعلى الدول نسبًا في معدلات الانتحار في العالم، ووجدت هذه الشائعة تربة خصبة وخاصة بين أبناء الشرق الأوسط وذلك بفعل عدة عوامل، أولهما الأنظمة الديكتاتورية التي تروج لتلك الشائعة لتربأ بنفسها عن استحقاقات شعوبها، وتوصل لشعوبها رسالة معناها أن هذه الدول الغنية تعاني من أزمة كبيرة رغم رفاهيتها وهي الانتحار.

وثانيًا ثبات التعداد السكاني في السويد وعدم تضخمه، حيث كان في 1970 ما يقارب 8 مليون وفي آخر إحصائية وصل 9 مليون ونصف مع زيادة عدد المهاجرين الذي وصل في 2008 إلى مليون نسمة، وثالثًا الشتاء الشبه دائم في السويد الذي مثل أحد عوامل رواج الشائعة لزيادة فترة الليل، والذي بدوره يزيد من حلات الاكتئاب.

ورابعًا الشفافية التي تتمتع بها تلك الدول في ذكر الأرقام الدقيقة لحالات الانتحار على نقيض الدول الاستبدادية، وخامسًا انخفاض معدلات الوفاة مقارنة بالانتحار نظرًا للاهتمام الصحي الكبير من الدولة بمواطنيها، حيث يعد الانتحار السبب الثاني للموت في الدول الإسكندنافية مقارنة بالدول الاستبدادية، والتي تعاني من إهمال شديد في الصحة والمواصلات والطرق والبنية التحتية التي تحصد أرقام هائلة في أسباب الوفيات في الدول الديكتاتورية.

وآخر هذه العوامل ترويج أبناء التيار الإسلامي لهذه الشائعة بقوة لابتعاد هذه الدول عن الدين والتدين، رغم أن كثير من الدول الغربية والدول المتقدمة كأمريكا واليابان بهما نسب عالية من المنتحرين أيضًا، بل إن اليابان وكوريا لديهم تعاليم دينية تحض على الانتحار للتخلص من النفس الشريرة، كما كان المحاربون اليابانيون القدامى يلجأون للانتحار خوفًا من الأسر أو تكفيرًا منهم عن أخطاء جسيمة ارتكبوها، وتغيرت هذه الطريقة إلى تفجير الطائر لطائرته في بوارج العدو كما حدث في الحرب العالمية الثانية.

بالإضافة إلى ارتفاع نسبة المسلمين المنتحرين في السويد وفي كثير من الدول العربية والإسلامية كالسعودية واليمن والسودان ومصر، وخاصة بين الشباب، كما أن ليتوانيا وكوريا الجنوبية وكازخستان من أعلى الدول في نسب الانتحار نتيجة الحالة الاقتصادية السيئة.

(2)

كل 40 ثانية يموت إنسان منتحرًا، وكل عام ينتحر أكثر من مليون و200 ألف شخص، وثلاثة أضعاف هذا الرقم يحاول الانتحار، وأعمار هؤلاء مابين 15-45، في عام 2007: أظهرت دراسة مصرية أن هناك 3708 حالات انتحار وقعت في مصر خلال العام، وأن نسبة المنتحرات من الإناث كانت أكثر من الذكور لتصل إلى 68% للإناث مقابل 32% للذكور، وسبق أن سجلت إحصائيات المركز القومي للسموم التابع لجامعة القاهرة وقوع 2355 حالة انتحار بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 22 و23 عامًا خلال عام واحد طبقًا للإحصائيات الرسمية، عام 2009: شهد محاولات للانتحار في مصر بلغت 104 آلاف حالة، تمكن‏ 5‏ آلاف منهم في التخلص من حياتهم‏.

وتقول الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إن جريمة الانتحار في مصر، أصبحت ظاهرة خطيرة تتصاعد يومًا بعد يوم، وشهد عام 2011 نحو 18 ألف حالة محاولة انتحار وصلت إلى مركز السموم خلال العام، أغلبهم من الرجال. وتشهد مصر سنويًّا نحو 3 آلاف حالة محاولة انتحار لمن هم أقل من 40 عامًا، فيما تقول تقارير أخرى إن خمسة أشخاص من بين كل ألف شخص يحاولون الانتحار بهدف التخلص من مشكلاتهم، ويشير “كيفين كارسو” مدير منظمة منع الانتحار أن 90% من المنتحرين كانوا مرضى أثناء الانتحار.

(3)

يدعي البعض أن النبي صلى الله عليه وسلم حاول الانتحار أكثر من مرة من فوق شواهق الجبال عندما فتر/تأخر عنه الوحي، فأصيب باليأس والإحباط. واستدلوا على ذلك برواية واهية باطلة لا تصح سندًا ولا متنًا في تاريخ الطبري، وأخرى في صحيح البخاري ولكنها من بلاغات الزهري المنقطعة، ورغم أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يصيبه ما يصيب البشر من حزن وغم ونصب وخاصة بعد تأخر الوحي عنه لكنه صلى الله عليه وسلم صنع على عين من الله فحفظه الله – سبحانه وتعالى- وصرف عنه كل سوء فكما حفظه قبل البعثة من التعري وشرب الخمر، حفظه أيضًا من مثل هذا كله ليقوم بمهمة تعجز عن حملها أمم.

(4)

ومن أسباب الانتحار وعوامل انتشاره:
– الأمراض النفسية والعقلية: والتي منها المرض النفسي الناشئ عن خلل عضوي في الدماغ ينشأ غالبًا منذ الولادة، كالشلل الجنوني العام، والتخلّف العقلي، والصرع. ومنها الاضطرابات النفسية والعقلية وهي تنشأ عن خلل وظيفي، وتشمل:

 

أولاً: الاضطرابات النفسية، والتي تظهر غالبًا عبر سنوات العمر نتيجة التعرض لصدمات ومشاكل ومنها: القلق، وتوهم المرض، والهستيريا، والخواف (الفوبيا)، والوسواس القهري، والاكتئاب.

 

ثانيًا: الاضطرابات العقلية (الذهنية) وقد تكون وراثية ومنها: الفصام، وذُهان الهوس الاكتئابيّ. وتلعب الأمراض النفسية والاضطرابات النفسية والعقلية دورًا مهمًا في الكثير من حالات الانتحار لدى المراهقين والراشدين، تقريبًا 40% من حالات الانتحار المسجلة.

 

– اضطراب الشخصية: وهي ليست أمراضًا نفسية أو عضوية، وإنما سمات متطرفة تجعل تلك الشخصيات مختلفة عن بقية الناس، وهم لا يشعرون بأنهم يعانون من اضطراب، ولهذا يعاني من يعيشون معهم.

 

– المشاكل الأسرية واحترام الذات: قد تؤدي الصراعات الأسرية المتكررة أو الشديدة بين أفراد الأسرة وبالأخص الوالدين، وكذلك عيش الطفل أو المراهق مع زوجة أب قاسية أو زوج أمّ قاسٍ، أو تعرض الطفل للضرب والإيذاء أو الحرمان العاطفي بشكل متكرر، أو الإهمال للطفل وحاجته النفسية والجسدية، أو تعرّض المراهق للنقد المستمر أو الاستهزاء وعدم احترام ذاته ومشاعره، وتعليم الوالدين المتدني، وحالات الاغتصاب للنساء، قد تؤدي جميعها إلى الوصول إلى حالة اكتئاب شديدة ومن ثم التفكير في الانتحار والتخلّص من الحياة.

 

– المشاكل الاقتصادية: كالفقر، والبطالة وعدم الحصول على المهن اللازمة على الرغم من الشهادات والمؤهلات، أو فقدان المهنة أو المنزل. وقد بينت الدراسات حول الراشدين في هونج كونج مثلاً أن 55% من حالات الانتحار يقوم بها عاطلون عن العمل. وأعربت منظمة الصحة العالمية عن خشيتها من أن تؤدي الأزمة الاقتصادية العالمية إلى ارتفاع حالات الانتحار خاصة بعد إقدام بعض رجال الأعمال على الانتحار.

 

– الفشل: يعد الفشل المالي كالفشل في سداد الالتزامات المالية أو التعرض للخسائر، أو الفشل العاطفي، أو الفشل الدراسي، أو الفشل الاجتماعيّ، أو الفشل المهني كتأمين وظيفة كريمة والمحافظة عليها، أحد الأسباب الرئيسة المؤدية للانتحار، وقد أظهرت الدراسات الدولية أن 60% من حالات الانتحار كانت بسبب الفشل.

 

– الشعور بالذنب أو الوحدة: ويُعتبر هذا سببًا رئيسًا في الانتحار وهو الشعور بالذنب والرغبة في عقاب الذات، أو الشعور بالوحدة والاعتقاد بأن العالم لا يفهمه ولا أحد يشعر به، وبسبب عدم القدرة على توجيه العقاب للآخرين فيوجه العقوبة لذاته، وتكثر هذه الحالة عند المراهقين وغير الناضجين فكريًّا أو المضطربين نفسيًّا.

 

– المشاكل الصحية الخطيرة: فالحالة الصحية لها علاقة مباشرة بالاكتئاب والانتحار، فالمرضى المصابون بأمراض مستعصية الشفاء كالإيدز والسرطان، أكثر إقبالاً على الانتحار، وتتراوح نسبتهم بين 15- 18% من بين المنتحرين، أما مدمنو الكحول والمخدرات فتصل نسبة انتحارهم إلى 15% وفق إحصائيات في المجتمع المصري.

 

– أسباب بيولوجية: كاختلالات في التوازن الهرموني وخاصة لدى الفتيات أثناء البلوغ، أو فقر الدم الناتج عن نقص الحديد، أو اضطرابات في الغدة الدرقية أو في سكر الدم، أو عدم التوازن الكيميائي في المرسلات العصبية، قد تسبب الاكتئاب أو الانتحار.

 

– ضعف الوازع الديني: البُعد عن الدين القويم وضعف الإيمان بالله واليوم الآخر، وقلة التوكل على الله، وسوء الظن بالله، وعدم الخوف من الله تعالى.

 

– توفّر النماذج وإساءة وسائل الإعلام في التعامل مع القضية: كطرح قصص لشخصيات شهيرة قامت بالانتحار، يشجع بعض من يعانون من المشاكل النفسية والاجتماعية والاقتصادية على الانتحار.

 

– سهولة الوصول إلى المواد المميتة: كالأدوية والسموم والقفز من الأماكن المرتفعة – وانتشار الأسلحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

انتحار, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد