هناك ظاهرة متفشية في الدول الشرق آسيوية أصبحت مثار تساؤلات ودراسات، وهي زيادة معدلات الانتحار حيث يتجه من يتملكه الاكتئاب الناتج عن سطوة الرأسمالية وضياع الفرص الوظيفة للتخلص من نفسه، وذلك الأمر لا يحرك شيئًا في الناس بل أضحى أمرًا شبه اعتيادي في مجتمعاتهم من أثر عدد الحالات المتنامية التي يقرؤون عنها أو يسمعون بها، فهم يعتبرون من يقدم على هذا الأمر في ثقافتهم فاشلًا، لم يجد ويجتهد ويجهد نفسه بالعمل كما الآلة ليصل لمبتغاه وآماله وليحقق أحلامه، وهو بالنسبة لهم مآل طبيعي لكل من هو في نفس هذه الحالة.

لذلك لا تجدهم يوجهون أصابع الاتهام إلى الحكومات بتقصيرها في هذا الشأن، واتهامها بإهمالها لهذا الشاب مما أدى به إلى أن يتجه لهذا الاتجاه بالتخلص من ذاته، فهم يلقون باللوم دائمًا على من أقدم على هذا الفعل، إما بتعليق جرس الفشل في رقبته لأمور تتعلق بممارسته، وإما بعدم توافر الحظ لديه.

الواقع العربي

وهذا على عكس واقعنا العربي، فعندما أقدم بو عزيزي على حرق نفسه انتفضت الشعوب العربية، وكأنه الشعلة التي أضاءت في عتمة الاستبداد فسرت شرارتها سريعًا لعباءات الطغاة، فأنتجت الربيع العربي، فالشعوب المؤمنة لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تتقبل هذا الأمر الجلل من أي أحد، فالمسلم يعرف معنى فعل الانتحار وإنهاء الحياة، والتي تخالف الشرائع الإسلامية وتضرب بالقيم الأخلاقية، وتدرك جيدًا بأن ما وصل له حال هذا الشاب بأن فعل ما فعل ما هو إلا ردة فعل على إجحاف تعرض له بعدم تقدير من قبل المسؤولين، ولافتقاد المساواة بين المواطنين والتي تحث عليها الدساتير، وعدم توافر العدالة في تطبيق القوانين، وأن هذه المسببات هي من جعلته يتجه لهذا الاتجاه ويقر في لحظة ضعف هذا القرار.

لذلك الأولى أن يعلموا أولوا الاستبداد في عالمنا العربي، أن المسلم في شريعتنا وثقافتنا يختلف عن غيره، فإن أقدم واحد على الانتحار فلن يقدم غيره على هذا الاختيار، بل سيحاول أن يغير الواقع المأساوي الذي يعيشه بيده، وهذه ستكون عواقبها وخيمه وتكلفتها ثقيلة على السلطة الاستبدادية، فهي لا تتعامل مع شعوب ملحدة غير مدركة لعقوبة الانتحار، بل مسلمة تحفظ تعاليم دينها ومؤمنة بربها، فالأوجب أن يخشى الطغاة ممن يعتبرونهم رعاة، فالشاب في الحالتين ميت فإما أن يموت موتًا بطيئًا من الفقر والقهر والذل بعدم وجود مصدر رزق، وهو يرى أموال البلاد تنهب أمام عينيه لتذهب لجيوب ثلة من الفُساد، وإما أن ينتقم.

خيار المستبدين

ولكن المستبدين كان لهم رأي آخر وتوجه فاجر، فبدل أن يختاروا أن يأخذوا بيد الشباب ويساعدوهم في شأنهم ويعينوهم في معيشتهم ويضمنوا لهم حقوقهم، ليوفروا لهم حياة كريمة ووظائف شريفة، أخذوا على عاتقهم أن يسلكوا طريقًا مغايرًا لا يخلو أبدًا من المخاطر، وهو الأقصر لهم والأوفر لمزانياتهم، بأن يغيبوهم ويلهوهم بملذات وشهوات آنية بانتشار المخدرات فيما بينهم لتغيبهم عن واقع مأساوي يعايشون وبؤس يكابدون ومساوئ يواجهون، وبغرس ثقافات زائفة لحياة كاذبة لإبعادهم عن المطالبة بحقوقهم الواجبة بإلهائهم بالأمور التافهة، ليصبح الشاب ما هو سوى مسخ كما تريده تلك السلطة المتغلبة لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم.

فهي تدرك جيدًا أن هذا به فتور للهمم وابتعاد عن القيم، فأخرجوا له سقط القوم وسفلتها ليبرزوهم في المجتمع، ليكونوا هم بمثابة القدوات له ليحدثوه عن ما يجب أن يتبعه، والذي يختلف اختلافًا كليًّا عن مدركات الحياة البشرية وموجباتها الفطرية والتي تبتعد عن الشرائع السماوية وتعاليمها السامية، فتختلف لديه الأولوية ليتصدر المشهد الجهلة والحمقى والتافهون ليوصلوا له فكرة أن هذا هو الطبيعي والعادي والمنتج النهائي الذي يجب أن تصل إليه، وهو أن تكون مسخًا كما هذا المشهور فالشهرة تصبح هنا هدفًا وليست وسيلة فيكون ذاك المشهور هو المثال المثالي، الذي لا بد لك أن تحذو حذوه وتقتفي أثره وتقف خلفه وتفعل فعله، فتقدم القدوات الزائفة وتستبعد القدوات الحسنة والقيادات الصالحة المصلحة والعقول المفكرة النيرة إما بسجنها أو بتهجيرها، هذا هو ديدن السلطات الاستبدادية في المعاملة لتغيب الشعوب عن الواقع في الانغماس في الشهوات، وكثرة الذنوب تذيب القلوب، فلا تعود تدرك أي حقوق ولا تعرف معها ما هو منها مطلوب، فتزيد معها العيوب فيكثر الفعل غير المحبوب، ويكون الشعار السائد كل ممنوع مرغوب.

هذه هي الاستراتيجية التي يتبعها الطغاة لتدجين الشباب، وكسر الأنفة فيهم ليخضعوا لهم ويطأطئوا الرأس أمامهم ليتفادوا ريح استبدادهم العاتية والآتية لتغريب المجتمع ليسهل تطويعه ومن ثم تطبيعه، ولكن هذه الخطة آنية وليست مستقبلية ولا تعتبر أبدًا أبديه، وفي كل مرحلة من مراحلها غير مجدية، فالمدمن سيأتي عليه يوم ويصحو من النوم فلا يجد جرعته ولا حتى لقمة تسد رمقه، فتصور أيها القارئ ماذا سيحصل حينها وماذا بإمكان المدمن الجائع أن يفعل بعدها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد